اللغة العربية وتهمة الإرهاب/د. زهير سوكاح

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • زهير سوكاح
    مجلس الإدارة
    • Nov 2006
    • 795

    اللغة العربية وتهمة الإرهاب/د. زهير سوكاح

    اللغة العربية وتهمة الإرهاب
    د. زهير سوكاح
    المصدر: موقع مدونات الجزيرة
    goo.gl/wWLkde

    بعد كل موجة من الاعتداءات الإرهابية تتعالى في أوروبا دعوات غربية رسمية، بل وأحيانا عربية، تُنادي بضرورة تعميم تدريس اللغة العربية، لكن ليس بوصفها لغة عالمية، صار من المُفيد تعلُّمها، ولا بوصفها لغة الأصل لأبناء الجاليات العربية المنتشرة في مختلف الدول الغربية، بل بالأساس كونها مجرد أداة أمنية لمحاربة الإرهاب والتطرف، وكأنما اللغة العربية، وعلى خلاف كل باقي لغات العالم، ما وجدتُ إلا لهذه الوظيفة "الوقائية"، في حين أن الإرهاب لا يعرف لغة ولا جنسية ولا دينا معينا.
    وتعكس هذه الدعوات النظرة الاستشراقية الغربية للغة العربية ولناطقيها، ليس لكونها لغة الآخر الشرقي المتخلف عن الركب الحضاري الغربي ولغاته الأوروبية المتقدمة والمتطورة فحسب، بل ينضاف إلى هذا، أن اللغة العربية قد صارت في قفص الهواجس الأمنية الغربية وكلغة مشتبه فيها هي ذاتها، وربما صارت اللغة الناطقة باسم الإرهاب دون معرفة أهلها، فأصبح أحيانا التكلم بالعربية تهمة في حد ذاتها، ولعل البعض منا يتذكر حدثا وقع السنة الماضية، قد يبدو ظاهريا غريبا لكنه مؤلم في باطنه، حيث طُرد طالب جامعي عربي من طائرة أميركية لأنه تكلّم العربية، فأصبح في عصرنا هذا التحدث باللغة العربية شُبهة، ويا لها من شبهة، شبهة الإرهاب، بعد أن كان التكلم بها شرفا حضاريا وضرورة علمية في فترة من فترات التاريخ البشري.
    وتبدو هاته النظرة الاستشراقية الجديدة في تصاعد مستمر، فيكفي على سيبل المثال التدقيق في إعلانات الوظائف الحكومية في أوروبا وبخاصة في ألمانيا والمرتبطة باللغة العربية، فغالبا ما نجدها ذات طابع أمني، الهدف منها توظيف كوادر عربية، تُوكل إليها مهام ترجمية استخباراتية في إطار محاربة الإرهاب والوقاية من التطرف.
    قد يبدو هذا المثال بسيطا، لكنه يعكس النظرة الاختزالية والمُتجنية على اللغة العربية، والتي لم تسلم من تجني أهلها الناطقين بها، وبخاصة من بعض من تلقفوا النظرة الاستشراقية النمطية عن اللغة العربية واتخذوها معيارا "علميا" للحكم عليها بوصفها لغة "دينية" الطابع وبالتالي لا تستطيع مواكبة مستجدات العصر المتسارعة، بل انبرى بعض "مثقفينا" في الوطن العربي وخارجه إلى إعلان نهاية هذه اللغة "المتخلفة" عن الركب العالمي، داعين إلى استخدام العاميات بدلا عنها وأحيانا إلى الإسقاط الكلي للإعراب بدعوى "عصرنة" اللغة، بل وأحيانا أخرى إلى التخلي عن الأبجدية نفسها. غير أن هذه النظرة النمطية هي نفسُها جامدة، لكونها متخلفة عن ركب الدراسات اللسانية، فقد بات من المعروف أن اللغة صنيعة ناطقيها وليس العكس، لهذا يتم التفريق بين "اللغة" كوعاء حضاري و"الاستعمال اللغوي" العام أو المتخصص، أي استعمالنا نحن للغة في مختلف المجالات، حتى الديني منها.
    فاللغة كوعاء تتأثر إيجابا أو سلبا بقوة أو ضعف استعمالنا اللغوي، لهذا فلا توجد من الناحية العلمية الموضوعية، لغة يمكن أن تكون "قاصرة" أو "متخلفة"، اللهم إن كانت ميتة ومندثرة منذ قرون خلت، فكل لغة حية تمتلك ببداهة "القوة على التعبير عن الحاجيات الضرورية لأي حضارة"، حسب تعبير المرحوم الدكتور نبيل علي، وإلا لما سُميت لغة.
    غير أن التجني على هاته اللغة العريقة التي ظلت شامخة لأكثر من سبعة عشر قرنا ليس دائما استشراقي الطابع، بل ينضاف إليه تجني من نوع آخر، ممن يدعون أنهم حُماة اللغة العربية من أي تطوير أو تجديد بدعوى أنها لغة القرآن الكريم، ولا يجوز للناطقين بها المساس بها على فرض أن لهم القدرة على ذلك.
    ودعاة هذا التصور المتشدد والجامد ينكرون بالتالي على اللغة العربية طبيعتها التطورية، غير مدركين أنها، بوصفها لغة بشرية مثل باقي لغات العالم، هي لغة تواصل شفاهي وكتابي في جميع مناحي الحياة، ولغة الأدب والفكر والعلوم، دون إغفال دورها الديني الجامع، ولهذا فمقولات "تمجيدية"، مثل "اللغة العربية أغنى لغات العالم"، وغيرها من المقولات الدعائية، تعكس في الحقيقة شوفينية مضمرة، فحسب هاته المقولة، فلا حاجة لنا لتطوير استخداماتنا اللغوية في مختلف مناحي الحياة، بل ولا حاجة للغة العربية بنا كناطقين بها.
    لكن الواقع اللغوي يسير باتجاه مغاير: فالمفردات والمصطلحات والتعابير الجديدة التي تُتداول في الاستعمال اللغوي العربي بشكل مستمر منها من يَلجُ إلى اللغة العربية، بل ويُحفظ في معاجمها لضرورته، ومنها من لا يصمد طويلا، ويندثر لعدم الحاجة إليه لغويا. على العكس من هذا، فإن إنكار السمة التطورية للغة العربية، وهي من سمات اللغات البشرية، ليس الهدف منه، حقيقة، إلا تحنيط اللغة العربية وتجميدها. ولحسن الحظ، فإن هذه النتيجة الكارثية، لا نراها إلا في الاستعمال اللغوي البالي لهؤلاء الدعاة إلى التحجر اللغوي، والذي ينم عن فكر ضيق ومُتصحر في عصر العطاء الحضاري.
    وفي نهاية هذا المقال، لا أجد أفضل ما أختتم به من هاته الكلمات التي سطّرها الدكتور نبيل علي، رحمة الله عليه، في كتابه الفجوة الرقمية: "اللغة تظل دائما مسؤولية الجماعة الناطقة بها، وعلينا أن نقر بأن إخفاقنا اللغوي هو إخفاق للمجتمع بأسره: إخفاق المجمع والجامع والجامعة، وإخفاق المنزل والفصل والمكتب والمصنع، وإخفاق الساسة والمثقفين وقادة الرأي، وعلى رأسهم المصلحون اللغويون الذين عجزوا عن تشخيص دائنا اللغوي الخبيث واقتراح العلاج الناجع له".
    فعلا إنها مسؤوليتنا جميعا، كناطقين باللغة العربية، والتي لا مناص منها، ليس فقط من أجل نزع تهمة "الإرهاب" المُرعبة على لغتنا العريقة، بل لإرجاعها إلى مكانها الطبيعي بين مصاف اللغات العالمية، لكن فقط عن طريق العمل، ولا شيء سوى العمل.
يعمل...