المقال الذي منع بسببه العدد الأخير من أسبوعية أفريك ماغازين في الجزائر:أفول الجنرالات

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • LAISANI
    Junior Member
    • Jun 2007
    • 20

    المقال الذي منع بسببه العدد الأخير من أسبوعية أفريك ماغازين في الجزائر:أفول الجنرالات

    المقال الذي منع بسببه العدد الأخير من أسبوعية أفريك ماغازين في الجزائر
    الجزائر
    أفول الجنرالات
    كانوا في قلب السلطة منذ الاستقلال. ولكن اليوم ، من يملك الحل والربط هو رئيس الدولة.
    بقلم: فريد عليلات
    ترجمة: لحسن عيساني*


    الزمن : شهر كانون الأول / ديسمبر 1993 ، الجزائر تعيش ساعات حالكة. الحرب الأهلية توقع عشرات الضحايا كل يوم. والاقتصاد يشرف على الانهيار ، وخزائن الدولة فارغة والبلد يعاني من مقاطعة دولية بسبب الإرهاب وانعدام الأمن. إلى هذه الصورة القاتمة ، يجب أن نضيف أنه نهاية ولاية المجلس الأعلى للدولة ، الذي أنشئ في أعقاب استقالة الرئيس الشاذلي ، في كانون الثاني / يناير 1992 عجل بالزج بالجزائر في أزمة سياسية خطيرة. و لم تكن ولاية هذا المجلس المؤلف من عقلاء قابلة للتجديد،و لذا كان يجب إيجاد وجهة جديدة. منذ الاستقلال في عام 1962، كان الجيش هو من يصنع الرؤساء ومن يصرفهم. فالجيش هو الذي أتى بأحمد بن بلة ، في عام 1962 ، قبل الإطاحة به عن طريق انقلاب في يونيو/ حزيران 1965. والجيش أيضا هو من عيّن العقيد الشاذلي ، بعد وفاة الرئيس بومدين في 1979 ، قبل أن يتخلى عنه. والجيش أيضا هو الذي استدعى بوضياف لتولي الرئاسة ، قبل أن يتم اغتياله.
    و مرة أخرى، هذه المؤسسة نفسها هي التي ستعيّن، في نهاية عام 1993، رجلا ليقود الجزائر. وإذا كان العسكر لم يعثروا بعد على الشخص المناسب، فإن لديهم بالفعل شخصية مثالية... يلزمهم رجل حازم، قادر على وقف دوامة العنف، رجل مدني يستطيع استعادة بهاء صورة البلاد، ويقودها نحو التقدم والاستقرار والحداثة. وهكذا بدأ اسم عبد العزيز بوتفليقة يتردد في صالونات الجزائر. وبالفعل ففي عام 1992، اقترحه العسكر كي ينضم إلى المجلس الأعلى للدولة، ولكنه رفض العرض. فهل سيقبله هذه المرة؟ ولأنه انسحب من الساحة السياسية منذ عام 1981، واستقر بين سويسرا، وفرنسا، والإمارات العربية المتحدة، فقد كان ملائما جدا للمهمة. وهو ضابط سابق في جيش التحرير الوطني، وشارك في حرب الجزائر. وزير سابق للخارجية ، وعضو بارز في جبهة التحرير الوطني ويقال عنه أنه دؤوب في العمل ، لديه سمعة دولية وأنه ظل بعيدا عن هذه والحرب القذرة الرهيبة بين الإرهابيين والجيش ،وأنصار المصالحة والإستئصاليين ، والحداثيين والمحافظين. ..إجمالا كان ذلك رجل المرحلة …
    وعندما تم التقرب من بوتفليقة وافق ، ولكنه كان يرغب في لقاء كبار قادة الجيش. وجرى أول لقاء في كانون الأول / ديسمبر في دار العافية، في مطعم يرتاده كبار الضباط. وكانت المقابلة ودية ، ولكن كانت الريبة حاضرة بقوة. فبوتفليقة كان يحمل ضغينة ضد بعض هؤلاء الضباط ، الذين قطعوا عليه الطريق إلى سدة الرئاسة في عام 1979 ، في حين كانوا هم يشكون في هذا الرجل المثقف والمستقل وصعب المراس. كان الجيش مستعدا لتتويجه على رأس الدولة، ولكن يجب أولا أن يقبل رسميا تزكيته في ندوة الحوار الوطني الذي ستنعقد يومي 25 و 26 يناير 1994 في نادي الصنوبر. كان بوتفليقة لا يزال حذرا ولكنه تعهد بدراسة الاقتراح. وخلال عدة أيام، راح يستعلم و يطلب المشورة حتى أنه قبل أقل من ثلاثة أسابيع على الندوة الشهيرة، تحدث مجددا مع الجنرالات ليطرح عليهم شروطا جديدة.
    كان يريد أن يلتقي رئيس هيئة الأركان العامة للجيش ، وقادة القوات المسلحة ، وكذا قادة المناطق العسكرية. وأمام
    جمهور يتألف من مائة من كبار الضباط ، قدّم رؤيته للسلطة. كان الرجل يحمل طموحات كبيرة للبلد، ويريد أن يحقق “المصالحة الوطنية" مع جميع التيارات السياسية، بما في ذلك الحركة الإسلامية ولا يريد بأي حال من الأحوال، تقاسم السلطة مع وكيل أو نائب رئيس. هل سيخلص هذا الاجتماع إلى حل الخلافات و سوء التفاهم بينه وبين صنّاع القرار؟ وكان هناك أمر مؤكد إذ كان ثمة تفاصيل عديدة يجب تسويتها، وليست أمورا هينة. كان الجنرالات لا يزالون يصرون على أن يُزكّى من قبل ندوة الحوار الوطني، حتى لا يفقد النظام مصداقيته أمام الرأي العام الوطني والدولي. أما هو فكان يشترط أن يُعين مباشرة من قبل المجلس الأعلى للأمن.
    "هناك شيء واحد مؤكد. أنا لا أريد أن أعيّن من قبل عبد الحق بن حمودة (الأمين العام القوي للاتحاد العام للعمال الجزائريين) أو من قبل ندوة إطارات. وفي 22 كانون الثاني / يناير اعترف لشريف بلقاسم ، الوزير السابق في حكم بومدين قائلا: "أود أن آخذ سلطتي من العسكر". ولكونه ابن النظام ، فقد كان يعرف أن العسكر هم من المالكون الحقيقيون للسلطة في الجزائر . وأمام تردد الدبلوماسي السابق ، تمت محاولة للتوصل إلى حل وسط : أن يعيّن بوتفليقة من قبل المجلس الأعلى للأمن، ولكن عليه أن يسجل على الأقل حضوره ولو لبضع دقائق أمام المؤتمرين في نادي الصنوبر. ولكن بوتفليقة ظل يصر على مواقفه...
    وفي يوم الثلاثاء 25 يناير 1994 ، بعد منتصف الليل. ذهب ليامين زروال وشريف بلقاسم إلى منزل عبد العزيز بوتفليقة. كانت مهمتهما هي سؤاله للمرة الأخيرة إن كان يقبل العرض الذي قدمه له الجنرالات. ومع أن اللقاء كان وديا ولطيفا، إلا أنه كان شكليا محضا.
    كان بوتفليقة قد اتخذ قراره : "لم اعد أرغب في السياسة. لا أريد ممارسة السياسة. ظل يردد: " أقسم بالله أني لن اقبل... " وخلال عشر دقائق ، حاول زروال أن يجعله يغيّر رأيه. لكن دون جدوى. غادر المبعوثان منزله وذهبا إلى فيلا حيث كان ينتظرهما ثلاثة من كبار المسؤولين العسكريين وهم: خالد نزّار وزير الدفاع السابق و عضو من المجلس الأعلى للدولة ،و محمد مدين ، المدعو توفيق ، رئيس مديرية البحث والأمن ، ومحمد العماري ، رئيس هيئة أركان الجيش. وعندما أعلن زروال الخبر ، أصيب الجنرالات ثلاثة بالذهول.
    وأصيبوا بصدمة ، إذ ينبغي عليهم العثور على مرشح آخر بأسرع وقت ممكن. كان يجب الإعلان رسميا عن اسم رئيس الدولة المستقبلي في 26 كانون الثاني / يناير . ما العمل ؟ الإلحاح للمرة الأخيرة على بوتفليقة؟ أم صرف الالتعيين،ا الخيار وتعيين مسؤول آخر خلال فورا ؟ أم تأجيل التعيين، وإن كان هذا قد تنجر عنه أزمة سياسية جديدة؟ ثم طُلب من بوتفليقة أن يأتي ويشرح موقفه أمام الجنرالات الثلاثة. وفي الساعة الرابعة صباحا ، في فيلا في العاصمة. راح الرجال الثلاثة يحاولون إقناعه بالذهاب إلى نادي الصنوبر. فاشترط مجددا أن يتم تعيينه من قبل الجيش. قال له الجنرالات أن حضوره في نادي الصنوبر سوف يكون مجرد إجراء شكلي. فقال: لا . وانتهى الحديث.
    بعد أن خذلهم بوتفليقة تحول الجنرالات إلى واحد من صفوفهم ، ألا وهو ليامين زروال. وأمام كل من توفيق ، العماري ، والجنرال تواتي ، عباس غزيل ، قائد الدرك الوطني ،خاطب نزّار زروال قائلا: "يجب عليك أن تتحمل مسؤولياتك". أصيب فوافق زروال بحزن عميق ، واغرورقت عيناه بالدموع ، ثم أعلن موافقته على أن يصبح رئيسا للبلاد. وفي يوم الجمعة 28 يناير ، طر عبد العزيز بوتفليقة إلى سويسرا. وعاش لمدة أربع سنوات بين باريس وجنيف وأبو ظبي ، حيث عمل مستشارا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، رئيس دولة الإمارات العربية متحدة. ومع أنه ظل على الهامش، فقد استمر في الاستماع إلى وطنه وعاد إليه عدة مرات. كان ينتظر أن تأتي ساعته...
    وفي ربيع عام 1998. تعب الرئيس زروال من السلطة. وقبل أقل من ثلاث سنوات بعد انتخابه (نوفمبر 1995)، كان الرجل يريد أن يرمي المنشفة. كانت رغبته في الرحيل تزداد إلحاحا خاصة وأنه كانت هناك خلافات عميقة بينه وبين القيادة العليا للجيش. كان هو يرغب في القضاء على الإرهاب من خلال تعزيز الحرب ضد التخريب ، فيما كان الطرف الثاني يأمل في إبرام اتفاق مع قادة المجموعات الإرهابية.
    وفي تشرين الأول / أكتوبر 1997، كان أحد فروع المخابرات قد أبرم بالفعل هدنة مع قيادة الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ. ولم يبق إلا إعطاء الاتفاق غطاء سياسيا. إلا أن الرئيس زروال لم يكن يرغب في مزيد من التنازلات للجماعات المسلحة. ولدى عودته من قمة منظمة الوحدة الأفريقية (واغادوغو ، يونيو 1998) ، أبلغ الجنرالين توفيق والعماري أنه يستعد لكي يعلن رسميا عن استقالته من منصبه. فأصيب الرجلان بالذعر. وحاولا ثنيه عن قراره من خلال أقاربه وبعض الوزراء. لكن زروال قال "إن قراري لا رجعة فيه "، وأمام رفضه العنيد ، طلب منه الجنرالان إمهالهما أسابيع قليلة ، لإيجاد خليفة له. وهنا ظهر على الساحة العربي بلخير.
    ولأن بلخير كان مدير ديوان الرئاسة في عهد الشاذلي بن جديد في الثمانينات ، ووزير الداخلية السابق ورجل المخابرات في أوروبا و الشرق الأوسط ، فقد كان يعتبر عرّاب النظام. ويلقب بالكاردينال.
    وعندما علم بالرحيل الوشيك لزروال ، اتصل ببوتفليقة. كان كلا الرجل يعرفان بعضهما بعضا منذ فترة طويلة. ويقال حتى
    إنهما كانا يلتقيان مرارا في فرنسا وسويسرا أو الإمارات.
    وخلال شهر يوليو من عام 1998 ، التقى بلخير ببوتفليقة في فندق بيرغس في جنيف. وحضر في هذا اللقاء أيضا ،
    عبدالقادر كوجتي، وهو رجل أعمال جزائري ثري صديق لعبد العزيز بوتفليقة وصاحب فضل عليه. أما ما تناولته المناقشات فكان موضوع خلافة زروال. ترى هل كان بوتفليقة على استعداد ليحل محله ؟ لم يقل لا ولا قال نعم. وطلب مهلة للتفكير . ولذلك اقترح العربي بلخير طرح ترشيح بوتفليقة على الجنرالات . كيف ذلك ؟ عند عودته إلى الجزائر. إطلاق بلخير أول بالون اختبار على عباس غزيل. ماهي حججه في الترويج لمرشحه ؟ أنه ليس طرفا في الحرب الأهلية، وكان رئيسا للدبلوماسية في فترة ازدهار للجزائر... وهو متحدث لبق، وفاتن، و خبير في السياسة الدولية ومن دعاة المصالحة وتتوفر فيه مزية قيّمة: فهو مدني. وهو ما يناسب العسكر، الحريصين على ألاّ يعينوا مرة أخرى أ عسكريا على رأس الدولة. بعد فترة وجيزة على هذا الاقتراح ، اجتمع أربعة من كبار المسؤولين العسكريين ، توفيق ،
    وإسماعيل العماري ، الرقم الثاني في الاستخبارات ، ومحمد العماري ، والجنرال محمد تواتي ، الذي يعتبر "قمة"
    مؤسسة الجيش ، لمناقشة هذا الاقتراح. وان لم يكونوا يرون مانعا في السماح لبوتفليقة بخلافة زروال ، إلا أنهم
    طلبوا مهلة للتفكير قبل البت في المسألة. فلابد أولا ، من جس نبض المسؤولين الآخرين في المؤسسة ، ورأي خالد نزّار على وجه الخصوص.
    ألم يكن من بين الجنرالات الأربعة الذين عرضوا على بوتفليقة الرئاسة عام 1994؟ ويعرف عن الجنرال نزّار القوي والمندفع، والثائر أنه رجل صريح. وحين سمع اسم بوتفليقة ، قفز من مقعده وقال. "هل أنت مجنون! إنه خوّاف. . وسوف يموت بين أيديكم ! و رفض نزّار إتباع زملائه... وفي بداية أيلول / سبتمبر 1998. التقى محمد مدين وعبد العزيز بوتفليقة في الفيلا التي هي اليوم مقر مؤسسة محمد بوضياف.
    ودامت المقابلة سبع ساعات. وتحدث الرجلان عن الماضي وعن المستقبل، قبل أن يتوصلا إلى اتفاق. ماالذي قالاه؟ لا شك أننا لن نعرف التفاصيل أبدا. ولكن شيئا واحدا مؤكد : وهو أن بوتفليقة سوف يزكى من قبل العسكر ، ويقدّم في الوقت نفسه باعتباره مستقلا يحظى ترشيحه بإجماع وطني واسع. ومن جهته ، الرئيس المستقبلي سيرسي سياسة المصالحة الوطنية ، لطي صفحة عشرية من الدماء. والعفو الشامل عن الجماعات الإرهابية وعن أفراد أجهزة الأمن المتورطين في ارتكاب جرائم أو اختفاء قسري سيكون موضع ترحيب. ويكون بوتفليقة قد قال هذه الجملة للعسكر:
    "سأوقع لكم صكا على بياض..." وعند خروجه من هذا الاجتماع ، أسرّ توفيق إلى مدير شركة وطنية كبيرة: "لماذا لم نعرف بوتفليقة من قبل؟ لو حدث ذلك، لما وصلنا إلى هذه الحالة... "
    وتمت الموافقة على اختيار الجيش ، وأعلن اليامين زروال استقالته في 11 أيلول / سبتمبر و أجريت انتخابات رئاسية مبكرة ليبدأ عمل طويل وراء الكواليس من الأخذ والرد والمفاوضات.
    في شقته في الأبيار أو في المقر الرئيسي لمؤسسة بوضياف ، بدأ بوتفليقة في المشاورات ، وفي تلقي الدعم ، وتوسيع شبكاته ، وتشكيل فريق حملته الانتخابية. وتكفل إستراتيجيو الجيش من جانبهم بإقناع الأحزاب السياسية ، والمنظمات الجماهيرية ، والأسرة الثورية ، وشخصيات المجتمع المدني بدعم ترشيحه. وعندما علم نزّار باختيار أصدقائه الجنرالات أعرب عن عدم موافقته ، عبر بيان صحفي يصف بوتفليقة ب"الحصان العجوز " و "الرجل الضعيف ".
    وأعاده إلى رشده كل من توفيق ، وغزيل وبلخير ، فعدل عن موقفه بعد ذلك بالقول إنه "الرجل الذي يملك أفضل الحظوظ لإخراج البلاد من الأزمة ". وبقي إقناع جبهة التحرير الوطني المترددة في تقديم الولاء لبوتفليقة. وبعد أن استقبل عدة مرات من قبل توفيق وافق بوعلام بن حمودة ، الأمين العام حزب جبهة التحرير الوطني ، في نهاية المطاف في كانون الأول / ديسمبر 1999 ، على دعم مرشح الإجماع. وحين كان يُسأل عن أسباب هذا الاختيار ، كان يجيب بجملة ذات مغزى كبير:"لقد كلموني من فوق. وقالوا لي: إنه بوتفليقة. "من هو فوق ، ؟ توفيق ، بطبيعة الحال...
    وبعد أن أعلن أنه سيكون مفتوحا ونزيها وشفافا، ظهر سباق الرئاسة لعام 1999 مبتورا.
    وباعتباره المرشح المستقل والحر ، حظي بوتفليقة بدعم الإدارة وبوسائل الدولة ، لدرجة أن منافسيه السبعة قرروا الانسحاب جماعيا ، عشية التصويت. وبقي وحيدا في السباق ، ورفض التنحي. بل إنه أراد أن يُنتخب بأغلبية ساحقة. و في صباح الخميس 14 نيسان / أبريل ، أعلن على الملأ: "أنا لن أتولى المسؤولية الأعلى في الدولة إلا في إطار مشاركة حرة وكثيفة للشعب الجزائري ، وفقط في حال شعرت أني أحظى بتأييد أغلبية حقيقية ، وإلا فسأعود إلى بيتي! وفي المساء ذاته ، وبينما هو في مقر مؤسسة بوضياف ، في انتظار النتائج ، هدد بالانصراف إذا فشل في تحقيق نسبة أصوات أعلى من تلك التي حصل عليها زروال في انتخابات في تشرين الثاني / نوفمبر 1995. هل كانت تلك نزوة أم تهديد حقيقي، غير أن هناك تحذيره أُخذ على محمل الجد في هرم السلطة. واستدعي مدين على عجل إلى المؤسسة وحاول أن يعقّله. والأشخاص القلائل الذين حضروا هذا اللقاء يؤكدون أن الحديث بين الرجلين كان عنيفا ، ولكن مدير الاستخبارات وافق في نهاية المطاف على الطلب. وانتخب بوتفليقة في الدور الأول ب 74 ٪ من الأصوات. وفي سن 62 عاما ، أصبح رئيسا للجمهورية. وخلال فترة ولايته الأولى ، طبّق عبد العزيز بوتفليقة برنامجه بوتيرة سريعة . وأطلق سراح الآلاف من الإرهابيين، و عفا عن مثل ذلك العدد، وذلك في إطار سياسته الخاصة بالمصالحة الوطنية. وأطلق برنامج واسعا للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وسافر إلى جميع أنحاء العالم لترميم صورة الجزائر. ومعه ، خرجت البلاد ببطء من عشرية طويلة من الفوضى. وماذا عن علاقاته مع الجيش؟ لقد تطورت بطريقة متذبذبة. فرسميا ، هما على وفاق مثالي ، إن لم يكن وديا. أما في الواقع، فالعلاقات مازالت تشوبها الريبة والشك، وعدم الثقة. وإذا كان بوتفليقة يمتدح دور الجيش في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الوحدة الوطنية ، فهولا يتردد في إرسال بضعة "صواريخ" في اتجاهه. فعلى سبيل المثال ، فهو يعتبر توقيف المسار الانتخابي الذي فرضه الجيش بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ خلال تشريعيات عام 1991 بأنه "أول عنف". فحين يقول عن حسن حطاب ، أمير الجماعة الإسلامية المسلحة ومؤسس الجماعة السلفية للدعوة والقتال "السيد حطاب" ، فهذا الأمر لا يروق لمحمد العماري. وعلى صعيد آخر ، يشتكي بوتفليقة من أنه لا يمارس صلاحياته كاملة – فلطالما قال: "أنا أرفض أن أكون ثلاثة أرباع رئيس " - ويتهم الجيش بأنه فرض عليه خطوطا حمراء. ففي غرفة انتظار هذا النظام غير الشفاف ، لا يجد بعض القادة الجيش حرجا في انتقاد عمل الرئيس ، وبرنامجه ، وإصلاحاته ونزوعه للاستيلاء على جميع مقاليد السلطة . وعلى السطح ، يظهر بوتفليقة وجنرالاته متفقون. أما في الواقع ، فتماسك الجيش متصدع. وسوف تبيّن ذلك انتخابات في نيسان / أبريل 2004. فمن جهة ، توفيق وبلخير (الذي صار رئيس ديوان بوتفليقة) هم من أنصار الاستقرار ، وبالتالي إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة لولاية ثانية. ومن جهة أخرى ، نزّار والعماري ، هم من منتقدي رئيس الدولة و أشرس المعارضين لإعادة انتخابه.
    وفي خريف 2003. كانت الحملة على قدم وساق. وكان هناك مرشحان اثنين : بوتفليقة ووزيره السابق علي بن فليس. الأول يريد البقاء في منصبه ، والثاني يريد تنحيته عن كرسيه في الرئاسة . فعمل بلخير و توفيق وراء الكواليس للإبقاء على رئيس الدولة ، وراح العماري ونزّار يفعلون العكس. وفي تشرين الأول / أكتوبر 2003 ، ينشر نزّار كتاب ناريا يحتوي على عنف نادر ضد بوتفليقة. أمّا العماري ، وحتى إن لم يكن وراء ترشح بن فليس ، فإنه كان يشجعه. ومعارضته لبوتفليقة هي أمر معروف . كما سمعه البعض يقول : "لو فاز بوتفليقة سأحلق شواربي "أو" لو فا ز بوتفليقة ، سأغادر منصبي."

    وانتهت المعركة الانتخابية ، الصعبة والقذرة ، ودون تنازلات ، بين المرشحين في نهاية المطاف إلى التساؤل صراحة عن دور الجيش. هل هو مستعد للعب دور الحكم لضمان انتخابات نزيهة ؟ وكان رئيس هيئة الأركان ، ومحمد العماري ، قد أكد في مقابلة مع أسبوعية لوبوان (يناير 2003) " ليس الجيش الوطني الشعبي من يصنع الرؤساء". "في العام التالي ستعترف مؤسسة الجيش بالرئيس المنتخب، حتى لو جاء من التيار الإسلامي". وعدة مرات أكد الرجل القوي في الجيش على أن هذا الأخير لا يدعم أي مرشح. هل كان ذلك خدعة ؟ أولئك الذي التقوا العماري في تلك الفترة يؤكدون أنّ الرجل كان صادقا. وفي خريف عام 2003 ، برمجت مواجهة بين العماري وعلي بن فليس. وحين طلب منه هذا الأخير توضيح موقف الجيش ، أكد العماري باختصار " أستطيع أن أؤكد لكم أن الجيش سيكون محايدا. "وقال الكلام نفسه لسعيد سعدي، رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي كان هو بدوره مرشحا في مقابلة في مقر وزارة الدفاع. ولكن مع قرب عملية الاقتراع ، زادت الشائعات ، والمعلومات ، والضوضاء عن تحيّز الإدارة ولصالح بوتفليقة. فهل جرت الانتخابات في صالح الرئيس المنتهية ولايته؟ علي بن فليس مقتنع بذلك. فقبل أسبوع واحد من اليوم الموعود، اعترف بمشاعره لكثير من مساعديه المقربين. وقال "هناك تزوير".
    لن يكون هناك دور ثان . ومع ذلك، فأنا أرفض أن أنسحب. لقد وضع فيَ المناضلون ثقتهم وسأستمر حتى النهاية. " وفي يوم الخميس 14 نيسان / أبريالثاني أمركان الجميع يرى أن الدور الثاني أمر لا مفر منه ، كانت المفاجأة كبيرة. ففي بداية الليل ، بدأ فوز بوتفليقة يتضح. هل تلقّى الولاة تعليمات لحشو صناديق الاقتراع بالأصوات؟ هل عملت دائرة استخبارات توفيق لصالح الرئيس؟ بن فليس سعيد سعدي مقتنعان بهذا. ويعترفان بأن وزارة الداخلية أعطت تعليمات لإنجاح المترشح المنصرف. أما بالنسبة لتوفيق ، فهم يقولون ، إنه وإن لم يكن يشجع التزوير ، فهو على الأقل قد غض الطرف عنه. وفي المساء ، حوالي الساعة السابعة مساء، تحدّث علي بن فليس مع محمد العماري لمدة 45 دقيقة ، في وزارة الدفاع. وكان رئيس هيئة الأركان غاضبا جدا.
    و انتُخب بوتفليقة في الدور الأول بأغلبية ساحقة (84 ٪). وتبخّر حياد الجيش. أحسّ العماري بالإهانة ، والإنهاك ، تذكر مجددا الالتزام الذي قطعه على نفسه : أي استقالته من منصبه ، في حال فوز بوتفليقة. وفي آب / أغسطس 2004، غادر منصبه رئيسا لأركان الجيش.
    وماذا عن انتخابات في نيسان / أبريل 2009؟ ولأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة، لا يجب أن يلعب الجيش أي دور في انتخاب رئيس الدولة. لأنه بعد عشر سنوات من وصوله إلى السلطة أصبح بوتفليقة سيد اللعبة.
    فعدّل الدستور في تشرين الثاني / نوفمبر 2008 للتخلص من المادة التي تمنعه من الترشح لولاية ثالثة. فعيّن على رأس هيئة الأركان أحد المخلصين له ، ألا وهو قايد صالح. ورقى جنرالات شبابا ، ليسوا من الجيل الذي خاض حرب الجزائر. وعيّن قادة جددا للمناطق العسكرية. وصار وزيره الداخلية يزيد زرهوني ، الرقم الثاني السابق للأمن العسكري ، واحدا من أقوى رجال النظام. فما الذي بقي من الرباعي الذي كان يسيطر على كل شيء ؟
    وجميعهم في السبعين من العمر، وجمعوا ثروات متعددة. وبعد أن تجاوز خيبته ، يقف محمد العماري اليوم جنبا إلى جنب مع بوتفليقة. وانسحب خالد نزّار من السياسة ، وهو يرفض لقاء الصحفيين. وبعد أن طرده بوتفليقة من الرئاسة عام 2005 ، عُيّن العربي بلخير سفيرا للجزائر في المغرب. وهو اليوم يعاني من مرض خطير. والوحيد الذي ما يزال في الخدمة هو توفيق. ترى كيف هي علاقته ببوتفليقة؟ ممتازة ، في رأي العديد من الشهود. وإذا كان غير وارد أن يعتقد المرء أن الجيش لم يعد قادرا على التأثير في مسار الأحداث، فعلينا أن نعترف أننا نشهد نهاية حقبة. نشهد أفول الجنرالات.
    * كاتب صحفي ومترجم
    laisani_dz@yahoo.com
يعمل...