المصطلح اللِّساني عند دي سوسير (قراءةٌ في الخطاطات)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إلياس بليح
    عضو منتسب
    • Feb 2018
    • 1

    المصطلح اللِّساني عند دي سوسير (قراءةٌ في الخطاطات)

    تحية طيبة وبعد، فهذا المقال شاركت به في الملتقى الوطني الأول في (المصطلح اللساني في التعليم الجامعي) (جامعة البليدة 2)- الجزائر، في: 12/12/2014:
    وهو هديةُ الانضمام إلى (الجمعية) شكر الله مجهودها:

    المصطلح اللّساني عند دي سوسير
    قراءة في الخطاطات (1)
    [(1)جمع خطاطة، وهي شكل مبسّط يمثّل السّمات الأساسية لشيء أو لحركة. أو هي رسم بياني يرمي إلى تمثيل علاقات أفكار مجرّدة أو ظواهر غير قابلة للإدراك. وقد تترجم بالترسيمة، أو التّبيانة، أو المخطّط. ينظر: موسوعة لالاند الفلسفية، أندريه لالاند، ص: 1245. ]


    أ/ إلياس بلّيح
    أستاذ مساعد أ، جامعة قسنطينة 1

    ملخّص المداخلة:
    نعرض في هذه المداخلة فكرة أساس تتمثّل في أهمّية الرّجوع إلى المصادر الأصيلة في أثناء التّدريس، ليتعرّف الطّلبة على المادّة العلمية وعلى اصطلاحاتها عند أصحابها الواضعين. وقد ارتأينا أن يكون الاختيار فيما يخصّ اللسانيات متوجّها نحو (محاضرات) دي سوسير لأهمّيتها العلميّة والتّاريخية، وقد اتّخذنا خطاطاتها مدوّنة، لنوظّفها فيما بعد في تعليم اللّسانيات.

    الكلمات المفاتيح:
    مصطلح لساني، خطاطة، مدوّنة، تعليمية، لسانيات.

    0/ مقدّمة:
    يقتضي الاهتمام بتعليميّة اللّسانيات وإنجاحها؛ أن يعاد النّظر إلى ثلاثة أقطاب على الأقلّ: المُخاطِب/ الأستاذ، والمُخاطَب/ الطّالب، والخطاب اللّساني التّعليمي - ومصطلحاته الأساس بالضّرورة-، وإلى تفاعلهم خاصّة. وينبغي أن تتوافر في كلّ قطب ملامح أوّلية، تكون كفيلة بإتمام هذه العمليّة على أحسن وجه. وتتمثّل في إحاطة الأستاذ بمادّته؛ وفي دقّة اختياراته لمسائل العلم التّأسيسية، وفي توصيل المعلومة اللّسانية بأنسب صورة وأوضحها، وأمّا عن الطّالب فملمحه أن يكون قارئا جيّدا لا يكتفي بما يسمعه حتّى يستقرئ المسائل في مظانّها الأصلية، كما يتمتّع بقدرته على التّجريد، واستيعابه للقضايا ذات الأبعاد الفلسفية، وأمّا عن المصطلح اللّساني فأهمّ ملمح له أن يكون مطروحا وفقا للصّورة الّتي وضع فيها أوّل مرّة، وأن يبيّن دالّه في لغته الأصلية، ثمّ تعرض مختلف ترجماته، في الدّرس، ليجتنب الطّالب في أثناء مطالعاته فوضى الاصطلاح، وقد يصير هذا التخبّط ثراء في المعاني إذا صاحبه وعيٌ مصطلحي.
    من أجل ذلك اخترنا عيّنة أصيلة في الحقل اللّساني، تفاعلت فيها الأقطاب الثّلاثة: كان فيها دي سوسير أستاذا، وشارل بالي وغيره من المتلقّين طلّابا، وكانت المحاضرات الّتي وصلتنا في اللّسانيات العامّة خطابا لسانيا مكتنزا بالمصطلحات اللّسانية القاعدية. يمتزج فيها العلم بالتّعليم، وتصلح مثالا يحتذى به لترقية الاستعمال المصطلحي في التكوين الجامعي، ومقترحا ناجعا لتطوير تدريس اللسانيات في الجامعة.
    وقد اخترنا الخطاطات فيها مدوّنةَ، لما لها من دور أساس في عرض العناصر الجوهرية للظاهرة اللّغوية، وإبراز ما يقوم بينها من علاقات، وما يحكمها من آليّات، كلّ ذلك بتمثيل رمزي للحقائق، يضعها في أبسط شكل. ولما تولّده كذلك من مصطلحات، وما تفتحه من نوافذ على حقول معرفية شتّى، على ما سنبيّنه في العنصر الرّابع، كما أنّها ليست عرضة لسوء التّرجمة في الغالب، وهي وسيلة بصرية تجذب الطّالب إذا شرد ذهنه عن المسموع من المحاضر.
    وفيما يلي بيان المقصود:
    1/ الحضور الاستباقي للمصطلح اللّساني في الفهرس:
    1/1: عرض:
    تتكوّن (المحاضرات) من أربعين فصل موزّعة على مدخل وخمسة أبواب وملحقين. ونلاحظ حضور أربعة مصطلحات في عناوين الأبواب؛ متعلّقة بمناهج الدّراسة اللّسانية وهي: اللّسانيات: { الآنية، الزّمانية، الجغرافية، الاسترجاعية }. ضف إلى ذلك مصطلح الفونولوجيا، الّذي ورد في المدخل، وكأنّه يوحي بأنّه علم مساعد وضروري لدراسة علم اللّسان. فإذا أتينا إلى عناوين الفصول وجدنا المصطلحات حاضرة فيها على النّحو التّالي:
    أ/ المدخل:
    اللّغة؛ الحدث (اللّغوي والاجتماعي)؛ السّيميولوجيا (ف3)، لسانيات اللّغة؛ لسانيات الكلام (ف4)، العناصر الدّاخلية والخارجية للّغة (ف5)، تمثيل اللّغة بالكتابة: المكتوب والمنطوق أو الخط والنّطق؛ أنظمة الكتابة؛ (ف6)، الفونولوجيا؛ الكتابة الفونولوجية (ف7). الفونيم؛ الصّوت؛ جهاز النّطق؛ الوظيفة (ف1 ملحق1)، السلسلة الكلامية؛ الانفجار الدّاخلي والخارجي؛ المقطع (ف2 ملحق1).
    ب/ الباب الأوّل: مبادئ عامّة:
    الدّليل اللّغوي: دليل؛ دال؛ مدلول؛ اعتباطيّة الدّليل (مبدأ أوّل)؛ خطّية الدّال (مبدأ ثان) (ف1)، ثبات الدّليل وتطوّره (ف2)، اللسانيات الثّابتة؛ اللّسانيات التطوّرية (القابلة للتّطوّر)؛ الثّنائية الدّاخلية؛ القيمة؛ الآنية (قانون)؛ الزّمانية (قانون)؛ اللّا زمنية (ف3).
    ج/ الباب الثّاني: اللّسانيات الآنية:
    الكيان؛ الوحدة (ف2)، الهويّة (ف3)، القيمة اللّسانية: اللّغة (= فكر منظّم بوساطة مادّة صوتية)؛ الملمح التّصوري والمادّي للقيمة، كلّية الدّليل (ف4)، تركيب (على مستوى اللّفظ) (علاقات)؛ ترابط (على مستوى المعنى) (علاقات) (ف5)، آليات (اللّغة): التّماسك التّركيبي؛ الوظائف المتزامنة لنظامين (نظام، هنا، ترجمة لـ ordre)؛ الاعتباطية المطلقة؛ الاعتباطية النّسبية (ف6)، النّحو (ف7)، دور (الكيان المجرّد) (ف8).
    د/ الباب الثّالث: اللّسانيات الزّمانية:
    التّغيرات الصّوتية (ف2)، التّطور الصّوتي، انشطار أو انقطاع (الرّابط النّحوي)؛ امّحاء (تركيب الكلمة)؛ التعاقب (قوانين) (ف3)، القياس (ف4)، التّفسير أو التّأويل (بكون تغيّره من أعراض الابتكار القياسي) (ف5)، التّأثيل (الشّعبي) (ف6)، الإلصاق (ف7).
    هـ/ الباب الرّابع: اللّسانيات الجغرافية:
    تنوع (اللّغات) (ف1)، اللّغة الأدبية؛ اللّهجة المحلّية (ف2)، الزّمن؛ اللّغات والدّوارج (ف3)، الموجة اللّغوية؛ الاتّصال والانعزال (ف4).
    و/ الباب الخامس: اللّسانيات الاسترجاعية:
    اللّغة الأقدم واللّغة النّموذج/الطّراز (ف2)، إعادة البناء (ف3)، اللّغة والعرق؛ الإثنية أو الأصل العرقي؛ الإحاثة اللّغوية؛ النّمط اللّغوي (وعقلية الجماعة) (ف4)، أسر لغوية، أنماط لغوية (ف5).
    1/2/ تعليق:
    يتيح لنا هذا العرض رصد مجموعة المصطلحات والهيئة الّتي استقرّت عليها عند دي سوسير، ولكن وإن كان هذا مفيدا في التّعرّف على الشّبكة المصطلحية الموظّفة في العمل؛ وفي تعريف الطّلبة بها لتهيئتهم عند الاطّلاع على مصطلحات العلم أوّل مرّة، فإنّه لا يغنينا عن متابعة القراءة والاطّلاع على المحتوى، ذلك أنّ حضور المصطلح فيه أكثف:
    الكثافة المصطلحية في: المحتوى < العناصر < الفصول < الأبواب < العنوان.
    وقبل أن ننتقل إلى تحليل المحتوى المصطلحي، وتلمّسه في الخطاطات وفقا لاختيارنا الإجرائي، نقدّم الملاحظات التّالية:
    1/ توجد في الفهرس مصطلحات عامّة كاللّغة والحدث والدّليل والزّمن والقياس، وتوجد مصطلحات خاصّة وُسِمت بألفاظ تنظيرية من قبيل مبدأ وقانون وعلاقة، وذلك ما نراه في الاعتباطية والخطّية (= مبدأ)، وفي الآنية والزّمانية والتّعاقب (=قانون)، وفي التّركيب والتّرابط أو الاستبدال (=علاقة).
    2/ هناك استحضار لعلوم غير لغوية ولبعض نظريّاتها ومصطلحاتها، مثل: الجغرافيا والجيولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم الآثار وعلوم ما قبل التّاريخ، وإن كان إيرادها لغاية سلبية، تذكر الشّيء لبيان عدم ملاءمته، كما جاء في آخر نصّ في المحاضرات، إذ يقول دي سوسير: « يبرز درسٌ واحد من كلّ هذه المعارك الّتي قمنا بها داخل منطقة الحدود لعلمنا. وهو درس سلبي في مجمله، ولكنّه، مع ذلك، مهمٌّ لأنّه يتّفق وفكرة هذا الكتاب: وهو أنّ الهدف الحقيقي الوحيد للّسانيات، هو دراسة اللّغة منها وإليها »[علم اللغة العام، تر: د يوئيل يوسف عزيز، ص: 253] .
    3/ وهذا الكلام الأخير، يحيلنا على مصطلح ضمني، هو المحايثة، وبالتّالي نلاحظ أنّ بعضا من المصطلحات الجوهرية في فكر دي سوسير لم تظهر صراحة في فهرس المواد، مثل: البنية، والنّظام، والوظيفة. وكذلك فكرة المستويات اللّغوية في سياق كلامه عن التنوع الجغرافي للأصوات اللّغوية.
    4/ هناك مجموعة من التقابلات، ستعرف فيما بعد بالثّنائيات، مثل: اللّغة والكلام، المكتوب والمنطوق، الصّوت والفونيم، الدّال والمدلول، الثّبات والتغيّر، الآني والزّماني؛ وكلاهما في مقابل اللّا زماني، المطلق والنّسبي، التّركيب والاستبدال، اللّغة الأدبية واللّهجة المحلّية، الاتّصال والانعزال، اللّغة الأقدم واللّغة النّموذج/ الطّراز.
    5/ وجود مصطلحات متقاربة، وردت كلّ واحدة منها في سياق خاصّ، وهي: idiome و dialecte و patois. وقد نترجمها، على التّوالي، باللّهجة والدّارجة واللّغيّة. مع ملاحظة أنّ هناك مصطلحا آخر تولّد عن المصطلح الأوّل، وهو مصطلح: glossème الّذي يعني: «caractère idiomatique» .

    2/ أنواع الخطاطات:
    لا يخلو باب من أبواب (المحاضرات) من خطاطة، وقد بلغ عددها حوالي الثّلاثين؛ من غير احتساب المكرّر. وقد استعملت فيها الأبجدية التّالية:
    { الأسهم (↑،↓،↔،â†گ)، الخطوط المتّصلة والمتقطّعة والمتموّجة (ــــــــ، ......، )، الحروف { (A, B, C, …)، (a, b, c , …)، (خ±,خ²,خ³,…)}، الأرقام، الدّوائر، الكسور، الجداول، المربّعات، المعيّنات، الحاضنات، المعالم المتعامدة والمتجانسة }.
    وهي على أنواع أهمّها:
    2/1/ الخطاطة الأيقونية:
    وقد وردت في المدخل، عند التّمهيد لدائرة الكلام، مُمَثّلة برسم شخصين ( A و B) في حالة حوار. وفي الملحق الأوّل ممثّلة برسم لجهاز النّطق. وفي الفصل الأوّل من القسم الأوّل للتّدليل على مبدإ الاعتباطية ممثّلة برسم حصان وشجرة.
    2/2/ الخطاطة الدّائرية:
    وقد وردت على هيئات مختلفة، في ثمانية مواضع: في رسم الدّائرة الكلامية، وفي رسم الدّليل اللّغوي، وفي الكلام عن الاستبدال حيث تكون الكلمة أشبه بالمركز في دائرة فلكية. وفي سياق الكلام عن الحدود الجغرافية للّهجات.
    2/3/ الصّيغ الرّياضية:
    وقد وردت في صيغتين عند الحديث عن الجانب الفردي والاجتماعي للّغة. ضف إلى ذلك بعض الأشكال الّتي تندرج فيها العناصر بعضها في بعض بواسطة استعمال الحاضنات والكسور، وذلك عند تقسيم اللسان إلى لغة وكلام؛ وتعلّق الدّراسة الآنية والزّمانية باللّغة دون الكلام، وكذلك في العلاقة بين اللّغة المنقولة واللّغة الأصلية.
    2/4/ الخطاطة الجدولية:
    وقد وردت في ملحق الفونولوجيا خاصّة، لبيان كثير من الحقائق الصّوتية والفونولوجية، وجاءت على أشكال مختلفة.
    وقد وردت عدّة أشكال أخرى، لا نستطيع إدراجها في صنف معيّن، بل نكتفي بالقول أنّها خطاطة، جاءت لتوضيح فكرة معيّنة، ولم تجتمع فيها السّمات الّتي تجعلها أكثر تنظيما.
    ونأتي الآن إلى أوّل الخطاطات الّتي وردت في (المحاضرات)؛ وأهمّها على الإطلاق، لما أثمرته من مصطلحات محورية في الدّرس اللّساني، ولأنّها بمثابة أمّ الباب؛ إذ تتفرّع منها جميع القضايا المبسوطة في باقي الفصول:


    3/ خطاطة «الدّائرة الكلامية» وتجلّيات المصطلح اللّساني:
    وردت هذه الخطاطة في سياق الإجابة عن أوّل تساؤل طرحه دي سوسير في محاضراته، وهو حول موضوع اللّسانيات الكلّي والملموس، وأبان عن صعوبة معالجته، لعدّة أسباب أهمّها أنّ الظّاهرة اللّغوية متعدّدة الجوانب؛ وغير متجانسة، فإذا أردت دراستها بتعدّدها، في آن واحد، وقعت في حيرة؛ وفتحت الباب لعدد من العلوم غير اللّغوية. لذا فقد ارتأى دي سوسير أن يضع قدميه، ومنذ البداية، على أرض اللّغة (la langue )، وأن يتّخذها مقياسا لجميع مظاهر اللّسان (le language)، والّذي تعتبر جزءا جوهريا منه، ضف إلى ذلك أنّ لها كيانا موحّدا متجانسا قائما بذاته.
    ولن يجد أحسن من الخطاطة لإبراز مختلف أحداث (اللّسان)، ومن ثمَّ يسهل عليه تحديد موقع (اللّغة) من بينها بأوضح صورة.
    وبما أنّ الظّاهرة اللّغوية معقّدة في الواقع، فسيأخذ دي سوسير أبسط عيّنة لها، وذلك هو تواصل شخصين على الأقل لإتمام الدّائرة الكلامية، على ما هو مبين في الخطاطة أدناه:




    ويتضمّن حدث التّواصل مجموعة من الأحداث الجزئية:
    حدث 1، وهو حدث نفسي: حيث تنقدح المعاني في ذهن الشخص A ، فيختار منها ما يريد توصيله إلى محاوره، وهي عمليّة جد معقّدة، لسديميّة المعاني وكثافتها في هذا المستوى، وللفوضى الدّلالية الّتي تكتنف هذا الخزّان الثّقافي الضّخم.
    حدث 2، وهو حدث فيزيولوجي: حيث تنقل السّيالة العصبية تلك المعاني المختارة إلى جهاز النّطق.
    حدث 3، وهو حدث فيزيولوجي: حيث يقوم جهاز النّطق بتحقيق تلك الصّور في شكلها المسموع، ويرسلها في الهواء.
    حدث 4، وهو حدث فيزيائي: حيث تنتقل الأمواج الصّوتية إلى أذن الشّخص B .
    حدث 5، وهو حدث فيزيولوجي: حيث يقوم جهاز السّمع بالتقاط الأصوات والتّعرف عليها.
    حدث 6، وهو حدث فيزيولوجي: حيث تقوم السّيالة العصبية بنقل هذه الأصوات إلى الذّهن.
    حدث 7، وهو حدث نفسي، حيث يقوم الذّهن برط الأصوات المسموعة بصورها، ومحاولة إرجاعها إلى المعاني الّتي قصدها الشّخص A. فإذا تكلّم الشّخص B، بدأ فعل جديد، ووقع الدّور.
    إذن، لدينا في هذا المستوى الأوّلي من التّحليل مجموعة من العناصر الأساسية، هي كالتّالي:
    1/ عناصر نفسية (صور الكلمات، والمعاني أو التصورات).
    2/ عناصر فيزيولوجية ( النّطق والسّمع).
    3/ عناصر فيزيائية (الأمواج الصّوتية).
    ضف إلى ذلك مركز التّنسيق والارتباط الّذي يحكم علاقة صور الكلمات بالتّصورات، وهو الّذي تنتقل عبره الأجزاء الإيجابيّة الفعّالة، في حالة النّطق، من فم المتكلّم إلى أذن السّامع، وتنتقل إليه الأجزاء السّلبية غير الفعّالة في حالة السّمع. ولملكة التّنسيق والارتباط دور أساس في ترتيب اللّغة على شكل نظام. مع العلم أنّ الأجزاء الفعّالة هي الّتي تقوم بدور التّنفيذ ( تصور â†گ صورة سمعية )، والأجزاء غير الفعّالة هي الّتي تقوم بدور الاستقبال ( صورة سمعية â†گ تصور ). مع ملاحظة أنّ عمليّة التّنفيذ من فعل الفرد وحده، وسيطلق دي سوسير على هذا الجانب التّنفيذي مصطلح: الكلام ( la parole ).
    والنّتيجة، أنّه بين التّنفيذ والاستقبال، يتحدّد بوضوح موقع اللّغة من الكتلة غير المتجانسة لعناصر اللّسان المذكورة آنفا، وذلك في الجزء الّذي ترتبط فيه التّصوّرات بالصّور السّمعية، لتكون بذلك نظاما من الأدلّة جوهرها الوحيد في هذا التّرابط. والحصيلة المصطلحية من هذا كلّه أنّ لدينا، من قراءة الدّائرة الكلامية، ستّة مصطلحات: اللّسان واللّغة والكلام والنّظام والصّورة السّمعية والتّصور ، ووحدهما المصطلحان الأخيران ظهرا في قلب الخطاطة، وقد جمعهما دي سوسير تحت مصطلح واحد هو: الدّليل، وغيّر من لفظيهما؛ فصارا دالّا ومدلولا، على التّوالي، وإذا كانت اللّغة عنصرا جوهريا من اللّسان، فإنّ الدّليل هو جوهر اللّغة، فصار بذلك أشبه بالمونادا ( Monade ) ولكن للظّاهرة اللّغوية، إن صحّت المقاربة. ولإن اشتهرت مصطلحات البنية والنّظام والوظيفة في حقل الدّراسات اللّسانية، فإنّها عائدة إليه، فالبنية بنيته على الحقيقة؛ والنّظام نظامه والوظيفة وظيفته. وكلّما نظرنا إليه من زاوية نتج لنا حقل من الدّراسة جديد، فإذا نظرنا إلى ثبات الدّليل وإلى ما يستوجبه هذا الثّبات من هوّية؛ وما يُكسِبه من قيمة، صارت دراستنا إلى حقل اللّسانيات الآنية، وإذا نظرنا إلى تغيّره وما يترتّب عليه من انشطار في التّركيب؛ وامّحاء للكلمة، وما يستدعيه من توظيف لآلة القياس، صارت دراستنا إلى حقل اللّسانيات الزّمانية .. وهكذا لن نجد مصطلحا لسانيا إلّا وللدّليل فيه نصيب.
    4/ المواضع المداخل لتحوّل المصطلح اللّساني:
    لقد ترك دي سوسير، في أثناء بنائه لعلم اللّغة، بعض الخانات الفارغة، وتكلّم عن علوم لا ينبغي إقحامها في الدّرس اللّغوي، وعلوم لها الحقّ في الظّهور. كما أنّ كثيرا من ثنائيّاته كانت حاضرة في المدارس اللّسانية من بعده، وكان أكثرها تأثيرا في تولّد المصطلحات ونشأة المدارس ثنائية: لغة/ كلام. إذ اعتمد عليها كثير من اللّسانيين من بعد، وحاولوا تركيزها في التّحليل وتدقيقها بمصطلحات تتلوّن بسمات اتّجاهاتهم اللّسانية، من بينها ثنائية: لغة/ خطاب (langue/ discours) عند بنفينيست، وثنائية نظام/ نص (système/ texte) عند يلمسلف، وثنائية: ملكة/ تأدية (competence/ performance) عند تشومسكي، وثنائية: وضع/ رسالة ( code/ message ) عند جاكبسون. ضف إلى ذلك التّوسيع الّذي أحدثه هذا الأخير لخطاطة الدّائرة الكلامية، ليرسم لنا دورة التّخاطب، والّتي ولّدت لنا بدورها مصطلحات جديدة، وفتحت نوافذ على حقول من المعرفة غير معهودة.

    وفي الختام، نقرّ بأنّ هذه القراءة للخطاطات ما تزال في حيّزها الإجرائي، وأنّها تحتاج إلى مزيد من الضّبط والتّعمّق. كما أنّها تصلح للتّعميم عند دراستنا، وتدريسنا، لأفكار كثير من الرّواد في مجال اللّسانيات، من أمثال: بلومفيلد وهاريس وتشومسكي، وكذا يلمسلف ومارتيني وجاكبسون وغيرهم .. فلا أنجع من الاطّلاع على الخطاطات والمصطلحات المتولّدة عنها في نصوص الرّواد في أيّ فن.

    والله أعلم.










    ملحق بأهمّ المصطلحات:

    بنية = structure

    تصوّر =concept

    خطاطة = schéma

    دائرة كلامية = circuit de parole
    دليل لغوي = signe linguistique
    دال = signifiant

    صورة سمعية = image acoustique

    قيمة = valeur

    كلام =parole

    لسان =language
    لغة = langue

    مدلول = signifié

    نظام = système

    مصادر المداخلة ومراجعها:
    1/ المصادر:
    -De Saussure, Ferdinand :
    Cours de linguistique générale. Publié par Charles Bailly et Albert Séchehaye. Edition critique, Payot, 1997.
    - دي سوسور، فردينان:
    ـــــــــ .علم اللّغة العام، تر: د يوئيل يوسف عزيز، ط، دار آفاق عربية، بغداد، 1985.
    ــــــــــ .. فصول في علم اللّغة العام، تر: د أحمد نعيم الكراعين، ط، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، دت.
    2/ المراجع:
    - إبراهيم، زكريا:
    مشكلة البنية أو أضواء على «البنيوية»، ط، مكتبة مصر، 1990.
    - لالاند، أندريه:
    موسوعة لالاند الفلسفية (ثلاثة أجزاء في مجلّد)، تعريب: خليل أحمد خليل، ط2، منشورات عويدات، بيروت/ باريس، 2001.
    - المسدّي، عبد السّلام :
    الأسلوب والأسلوبية (مع ملحق للمصطلحات والأعلام)، ط3، الدّار العربية للكتاب، ليبيا- تونس، دت.
    - مطلوب، أحمد:
    بحوث مصطلحية، منشورات المجمع العلمي، العراق، 2006.
  • عبدالرحمن السليمان
    عضو مؤسس، أستاذ جامعي
    • May 2006
    • 5732

    #2
    أهلا وسهلا بحضرتك أخي الفاضل الأستاذ إلياس بليح.

    ومرحبا بك في الجمعية، وأرجو أن يطيب لك المقام بيننا.

    وشكرا على هديتك الثمينة، مقالة رصينة قيمة بوركت وبورك جهدك.

    تحياتي العطرة.

    تعليق

    يعمل...