أوروبا متعطشة الى الأدب العربي فأين المترجمون والناشرون للمهمة الحضارية؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحمن السليمان
    عضو مؤسس، أستاذ جامعي
    • May 2006
    • 5732

    أوروبا متعطشة الى الأدب العربي فأين المترجمون والناشرون للمهمة الحضارية؟


    أوروبا متعطشة الى الأدب العربي فأين المترجمون والناشرون للمهمة الحضارية؟



    [align=justify]كانت هناك عصور في الماضي يتسم فيها التلاقي بين آداب أوروبا والعالم العربي بالتقدير والاحترام المتبادل. الاندلس وطليطلة, ابن رشد وابن بطوطة, رموز لتلاقح الحضارات والتعايش السلمي ومكان خصب بين عرب مسلمين ومسيحيين ويهود أرادوا المضي قدماً على أسس التراث الفكري اليوناني والروماني وبمختلف الأساليب, وان لم يتصف الوضع بخلو دائم من التوترات احياناً. وحتى يومنا هذا ما زال جزء كبير من هذا الإرث يمثل طابع هذه الحضارة الغربية. ان للعلاقات الادبية بين العالم العربي وأوروبا ماضياً عريقاً, خصوصاً في القرن التاسع عشر عندما نشط الناقلون المقتدرون من أمثال فريدريك كيورك روكرت أو يوسيف فون هامر - بوركشتال أو عندما حرك يوهان فولفغانغ فون غوته الاهتمام الألماني بالشرق من خلال تقربه من الشاعرالفارسي الكبيرحافظ الشيرازي. وكان هدف علماء اللغات هؤلاء المتأصلين في تراث الفلسفة المثالية, تفهم الشعوب والحضارات الأخرى من خلال اشعارها وآدابها واستدراك العلاقات بالوسائل العلمية الفكرية. ولقد أثارت ترجمة المستشرق الفرنسي انطوان كالان قبل 300 عام للمجموعة القصصية "ألف ليلة وليلة" موجة من الاستشراق, أدت بدورها الى ترجمة مجموعته الى عدد من اللغات الأوروبية . لكن هذا الماضي العريق, الذي مثلت جزءاً حيوياً منه مستشرقة القرن العشرين الشهيرة أنيماري شمِّل, تلاشى نتيجة صعوبات الواقع اليومي والوضع الذي لا تغير فيه شيئاً لا الحفلات الخطابية ولا الاجتماعات الكبيرة. فعلى رغم اعتماد اللغة العربية ضمن بعض الجامعات في المانيا وبلدان أوروبية أخرى, لا تزال هذه اللغة ذات أهمية محدودة, على رغم تزايد عدد الذين يتكلمونها. وكذلك لا يزال عدد المترجمين الجيدين من اللغة العربية قليلاً, مع أن عددهم ازداد خلال الأعوام الماضية بشكل يدعو للسرور. أما من الناحية الكمية فنلاحظ ان وجود الأدب العربي لا يزال ضئيلاً جداً في الأسواق الأوروبية. ولم يصل الى الشهرة العالمية إلا القليل من الكاتبات والكتاب, أولهم طبعاً الكاتب المصري وحامل جائزة نوبل نجيب محفوظ, ويليه الكاتب المغربي المقيم في فرنسا الطاهر بن جلون, ثم حاملة جائزة السلام لعام 2000 الكاتبة الجزائرية آسيا جبار, وكذلك الكاتب اللبناني المقيم في فرنسا أمين معلوف. وقد يتمتع الكاتب اللبناني الراحل جبران خليل جبران بوضع خاص, حيث ان أعماله ذات الصبغة التصوفية استطاعت من خلال عدد كبير من الترجمات (وغالبيتها عن الانكليزية) وبطبعات كبيرة, إشباع نوع من المتطلبات الروحية. وليس من قبيل الصدفة ان ثلاثة من هؤلاء الكتاب الناجحين يكتبون بالفرنسية. اذ لم يتعد الا قلة من كاتبات وكتاب العالم العربي تلك الحدود السحرية في المانيا, التي تتمثل بعدد من الكتب المباعة يفوق 10 آلاف كتاب. وقليل منهم من هو معروف في الدول الأوروبية الأخرى, خارج النطاق الضيق لعلماء الآداب وخبراء المنطقة, وذلك على رغم مدحهم المتتالي من قبل نقاد الأدب. لكن عدم الاهتمام بالأعمال الأدبية لكاتبات وكتاب العالم العربي في أوروبا ـ بعيداً عن الاستثناءات النادرة ـ يتناقض تماماً مع الاهتمام الأوروبي تجاه مشاكل أو خلافات هذه المنطقة. وبالتحديد نجد في السوق في مقابل كل كتاب أدبي مترجم كتابين على الأقل يعالج فيهما الخبراء الجادون أو المدعون أوجه التطور المختلفة في العالم العربي, مثل المشكـلة الأزلية لدور الاسـلام في الـعالم العربي أو دور المرأة في المجتمعات العربية الاسلامية, ونلاحظ ان العدد الأكبر من هذه الكتب ينبع من أقلام الأوروبيين وليس من العالم العربي. فمنذ تاريخ 11 أيلول (سبتمبر) 2001 تضخم هذا الوضع المقلق الى درجة أنه لم يعد بإمكان أحد أن يلم بنظرة شاملة هذا الطوفان المتزايد من كتب خبراء الارهاب الأوروبيين (والذين كثيراً ما رسموا هذا الارهاب أمام خلفية اسلامية خاطئة). وبالطبع يصعب الأمر بالنسبة الى أعمال الأدباء العرب تحت ظلال هذا النوع من الادراك للمنطقة, الذي يتميز بتوجيه الأنظار الى الخلافات المتعددة والاعتداءات الارهابية وفقدان الديموقراطية وبطء التطور في معظم الدول العربية, الأمر الذي تثبته الآراء المعلنة والمنشورة في الغرب, والتي تؤثر بذلك على الرأي العام. وعلى رغم وجود عدد لا بأس به من الكتب المترجمة لكاتبات وكتاب عرب في أوروبا, فليس لتلك الكاتبات وأولئك الكتاب من دور يذكر في ساحة المنافسة في سوق الروايات والقصص, الأمر الذي يدعو الى الدهشة. وستوضح الأرقام الآتية هذا الأمر:هناك حالياً 500 كتاب قصصي لكاتبات وكتاب عرب تعرض في الأسواق, لكن أقل من نصفها (أي حوالي 200 كتاب) ترجم عن العربية, بينما ترجم أكثرها عن الفرنسية التي كتبت بها أكثرها من قبل كاتبات وكتاب المغرب العربي. وتتسم المانيا هنا بدور استثنائي: فهناك كتب كثيرة لروائيين من أصل عربي يكتبون بالألمانية مباشرة, ومن أنجحهم رفيق شامي وسليم الأفيش وغازي عبدالقادر. مجلة بانيبال الوحيدة التي تهتم بنقل الأدب العربي إلى الإنكليزية. ونلاحظ أن أكثر الكاتبات والكتاب هم من مصر (وأولهم بالطبع نجيب محفوظ), يليها لبنان ومن ثم سورية وفلسطين (وعلى وجه الخصوص سحر خليفة). فالاستثناء بالنسبة الى سورية هو الكاتب رفيق شامي, وبالنسبة الى لبنان الكاتب الراحل جبران خليل جبران, وبالنسبة الى فلسطين الكاتب غازي عبدالقادر الذي يكتب بالألمانية. وتبرز أيضاً الترجمات عن الفرنسية لكاتبات وكتاب عرب من الجزائر (خصوصاً آسيا جبار ورشيد بوجدرة) والمغرب (بتفوق الطاهر بن جلون). ونجد في هولندا الظاهرة نفسها كما هي الحال في المانيا, فهناك عدد من الكتاب أصلهم من دول المغرب العربي, الذين نجحوا في كتابة رواياتهم باللغة الهولندية (والتي يترجم عنها لاحقاً الى لغات أخرى, كما هي الحال عند عبدالقادر بن علي). ولكن هناك عدد من الدول الاعضاء في الجامعة العربية التي ليس لها أي دور بارز بالنسبة الى القارئات والقراء في أوروبا. فلا توجد أية ترجمات. وإذا لخصنا الأمر نستطيع أن نقول أن الأدب العربي ليس فقط الأدب الذي يكتب باللغة العربية, بل انه يظهر أمامنا بأشكال مختلفة ولغات عدة. ويمكن التطلع الى هذه الصورة ايضا من وجهة نظر أخرى: فالقارئ الألماني يستطيع ان يختار من بين 125 ألف كتاب (روايات أو قصص أو أشعار, ومنها 40 في المئة كتب مترجمة), لكن نسبة الكتب القصصية من العالم العربي لا تشكل إلا 0.3 في المئة من معروضات سوق الكتب الألمانية. ولا يرضينا كثيراً في هذه الحال انه تمت في الماضي ترجمة المئات من الكتب العربية الى اللغة الألمانية, اذ ان السوق خلت تماماً من هذه الطبعات. فهل بالامكان توجيه الأمر نحو الأفضل من خلال نشاطات السياسة الثقافية عن طريق دعم الترجمات مثلا؟ ان برنامج دعم الترجمة لـ"جمعية دعم أدب افريقيا وآسيا واميركا اللاتينية" بدأ منذ عام 1984 في نطاق متواضع. ومنذ ذلك الحين صدرت بدعم من وزارة الخارجية الألمانية و"برو هيلفيتيا" (Pro Helvetia) 114 ترجمة لكتب من العالم العربي, وتم ذلك بواسطة التمويل, وكان أكثرها ترجمات عن اللغة العربية. ومن أهمها ترجمات لأعمال نجيب محفوظ المبكرة, وجمال الغيطاني, وحنان الشيخ, وأدونيس, وإميل حبيبي, وادوار الخراط, وابراهيم الكوني, والياس خوري, ومحمود درويش, وعبدالرحمن منيف. وبما انه خلال هذه الفترة لم تظهر الا نحو 400 ترجمة من العالم العربي في البلاد الناطقة بالألمانية, فقد تم دعم أكثر من 20 في المئة من هذه الترجمات الجديدة. ويمكن التطلع الى اللائحة الكاملة لكافة النصوص التي دعمت ترجمتها على الموقع: www.litprom.de والجدير بالذكر ان عدداً كبيراً من هذه الكتب صدر كأول ترجمة للمؤلفين على الاطلاق. كما انه تم دعم عدد من المؤلفات الشعرية التي تواجه في السوق صعوبات بالغة تفوق صعوبة الروايات. مع الاشارة هنا الى ان للشعر في العالم العربي ضمن الادب الحديث دوراً اكثر اهمية مما هي الحال في اوروبا. لكن الوضع الالماني ليس ظاهرة منفردة. فالكتاب من المغرب العربي يتمتعون بوضع مرموق ضمن حركة الادب في فرنسا لان اكثرهم يكتب بالفرنسية. واما الذين يكتبون بالعربية فيواجهون صعوبات بالغة للظهور من خلال ترجمات لهم على رغم النشاطات الخاصة التي بذلتها السياسة الثقافية الفرنسية في هذا المجال. كما ان الطبعات تبقى عامة متدنية العدد. وحتى لدى دار النشر "اكت سود" التي استمرت باصدار سلسلة "سندباد" التي اسسها اصلاً وبطموحات عالية بيار برنار, نجد ان الطبعات التي يزيد عدد كتبها عن ثلاثة آلاف نسخة تبقى نادرة للغاية ـ وحتى لو كانت لكبار الروائيين مثل جمال الغيطاني, وادوار الخراط, وصنع الله ابراهيم, والياس خوري. فالاخير, مثلاً, توصل بكتابه "باب الشمس" الذي اصبح فيلماً سينمائياً في ما بعد الى اصدار طبعة يفوق عددها عشرة آلاف نسخة. ونلاحظ ان الكتاب العرب يجدون طريقهم الى الصفحات الادبية للمجلات والصحف الكبرى مثل "لوموند" "ليبراسيون" ويتلقون التكريم ولكن من دون اية نتيجة حقيقية بالنسبة الى عدد الطبعات او القراء, والسبب يكمن في غلبة وسيادة الادب الذي يعرض من دول المغرب وهو مكتوب باللغة الفرنسية. وعلى الاقل يستطيع ناشر سلسلة "سندباد" في دار "اكت سود" وهو السوري فاروق مردم بك, ان يفتخر بحق ان سلسلته تنقل صورة العالم العربي ـ من خلال الترجمات عن العربية ـ بشكل اكثر تفصيلاً ودقة عن الصورة التي تنقل الينا من خلال الخلافات السياسية الحالية. اما الوضع في عالم اللغة الانكليزية فأكثر صعوبة وتعقيداً, لان هناك عدداً قليلاً فقط من الكاتبات والكتاب العرب الذين يكتبون بالانكليزية مباشرة, وهذا يعني ان كل كتاب يريد ان يصل الى قراء اللغة الانكليزية يجب ان يترجم. ودور النشر الصغيرة التي تعهدت هذا المجال (مثل "Garnet" و"Quartet Books" في بريطانيا او دار النشر الجامعي Syracuse University Press وكذلك "Interlink Press") لا تستطيع نشر طبعات بأعداد مرتفعة. وعلى الاقل هناك مجلة "Banipal" عالية المستوى التي تعرض باستمرار الطيف الواسع لاعمال الادب العربي الحديث ضمن صفحاتها. وتتلخص كل هذه النشاطات فيما يلي: يوجد عدد من النصوص المهمة على شكل ترجمات لكنها لا تصل الى الجمهور الواسع وسلسلات مثل "سلسلة الكاتبات العربيات" (عند "Garnet") تختفي بعد فترة قصيرة من تأسيسها. فلولا وجود البرنامج الطموح لدار نشر الجامعة الاميركية في القاهرة, الذي يقوم منذ سنوات طويلة باصدار ترجمات الاعمال المهمة, وتولى ايضاً نشر اعمال نجيب محفوظ على المستوى الدولي, لكانت حال ترجمة الادب العربي المعاصر الى اللغة الانكليزية اسوأ مما هي عليه الآن. ولا يشجع الوضع بشكل مطلق في تلك البلدان التي تحتاج الى ترجمة كل نص من العالم العربي (بصرف النظر ان كان قد كتب اصلاً بالعربية او الفرنسية او الانكليزية) ـ باستثناء المانيا. ففي دول مثل السويد والنروج والدنمارك وفنلندا وهولندا وايطاليا وبولونيا وروسيا والمجر, لا يتم التعرف على الكتاب العرب عامة الا بعد نجاح هؤلاء في بلاد اللغة الفرنسية او الانكليزية, او بعد حصولهم على جائزة مهمة. ونجد احياناً في بلد من هذه البلدان ترجمات لا يعرفها احد في الدول الاوروبية الاخرى. ومن دون اسثناء تظهر الترجمات في دور نشر صغيرة, ونتيجة لجهود المترجمات والمترجمين النشيطين والبارعين الذين يتمتعون احياناً بروابط وثيقة مع تلك النخبة الصغيرة من خبراء اللغة العربية والعلوم الاسلامية في الجامعات. وتتصف اسبانيا بوضع خاص نتيجة لتاريخ العلاقات الوطيدة مع العالم العربي. لكن على رغم ذلك لا تترجم هنا الا تلك النصوص التي يتوقع لها نجاح في الاسواق, بعدما تأكد مرة بعد اخرى ان النصوص المترجمة بتوجيه السياسة الثقافية يجب ان تثبت نفسها في الاسواق مثل غيرها تماماً. ومن دون شك حدث في عام 1998 شيء في اوروبا نستطيع ان نسميه "ظاهرة المحفوظ" فبعد حصول الكاتب المصري على جائزة نوبل للاداب تيسرت الامور امام مترجمي الادب العربي, وذلك بأن وجدوا دور نشر (واكثرها من الدور الصغيرة) لإصدار الاعمال العربية التي يعتبرونها مهمة. وقد ادّعى عدد من النقاد العرب ان الوضع السائد, الذي يتلخص في أن الذين يعملون على ترجمة واصدار الادب العربي ضمن دور نشر اوروبية هم افراد معدودن فقط, ما هو سوى نوع من مؤامرة اوروبية, فمن جهة لا تتم ترجمة الا ما نال اعجاب المترجمين مما يغلق الباب امام كثيرين من كتاب العالم العربي. ومن جهة اخرى لا يترجم الا ما يتلاءم مع الذوق الاوروبي فيتبع هذا الاختيار صورة مشوهة عن العالم العربي ليست لها اي علاقة بحقيقة الواقع العربي (الامر الذي يثبته الادب نفسه). لكن الترجمات التي لا تبحث عن جمهور لها, تبقى هواية اكاديمية فقط. وبعبارات اخرى: المهم هو ان تترجم تلك النصوص التي يود القراء في المانيا مطالعتها للتعرف على الادب العربي الحديث, وليست تلك النصوص التي يعتبرها الكتاب او النقاد من مصر او سورية او المغرب انها جديرة بالترجمة. وكـما قال شتيفان فايدنر, أحد أبرز المترجمين عن العربية في المانيا: لولا هذا الاختيار من طرف المترجمين الجادين, لما ترجم شيء من الادب العربي الى اللغات الاخرى. فما سبب عدم التوازن هذا؟ من البديهي ان غالبية كاتبات وكتاب العالم العربي يبدعون لجمهور عربي من من معرض فرانكفورت العام الماضي. المتلقين, فلا يولون اهتماماً زائداً لجمهور القراء في اوروبا او بأساليب القص الناجحة دولياً والتي يتبعها عدد كبير من الروائيين الناجحين في الولايات المتحدة. ولعل هذه الظاهرة ترتبط بندرة الترجمات من اللغات الاوروبية الى العربية وقلة رغبة الكتاب العرب في قراءة النصوص الادبية بالانكليزية او الفرنسية (ناهيك عن الالمانية او السويدية او الهولندية او الايطالية او الاسبانية) مما يجعلهم مرغمين على تناول الترجمات. فليس من قبيل الصدفة ان ثلاثة من انجح كتاب العالم العربي, يكتبون بالفرنسية ويعيشون في فرنسا, وهم الطاهر بن جلون وآسيا جبار وامين معلوف. وهناك دلائل واضحة ان لدى الناشرين الاوروبيين, ومثلهم القارئات والقراء احكاماً مسبقة ثابتة عن محور الادب العربي او ادب العالم العربي. فقد لقي كتاب بالعنوان التجاري "خلف الحجاب ـ ثلاث سير مؤثرة" ويشمل نصوصاً لثلاث كاتبات جزائريات (Heyne Verlag, Munich 1994) اقبالاً كبيراً يفوق بكثير ما لقيته السيرة الذاتية للطيفة الزيات ("اكتشافات ـ قصة حياة مصرية" ترجمة هارتموت فندريتش واصدار Lenos 1996) على رغم ان هذه السيرة تفتح امام القارئ ابواب التطلع الى الحياة العربية بشكل اوسع بكثير من نصوص الجزائريات الثلاث. ويبدو انه من المهم جداً القيام بنشاطات تنويرية واعلامية واسعة في سبيل اعمال ادبية متعمقة وقيّمة, والتي لا تحصر الخبرة الحياتية في العالم العربي ـ الاسلامي في قوالب مألوفة, وتختلف بذلك عن تلك الكتب التي تؤكد الاحكام المسبقة السائدة. ونجد مع الاسف ان الكتب التي تدور حول المرأة خصوصاً هي التي تؤكد وتكرر التصورات التقليدية عن المرأة في الاسلام. وحتى عندما تستنكر فيها الكاتبات تلك الافكار الخاطئة وتقص قصصاً تعبر عن صوت يقاوم نظام الابوة, يفشلن امام واقع الاسواق الاوروبية التي تخضع لموجات لا تتعلق فقط بموضوع المرأة في الاسلام وانما تظهر هنا بوضوح خاص, فإذا كان الحجاب هو الذي روج منذ اعوام وما زال يروج مبيع مؤلفات الكاتبات العربيات, فقد تحول هذا اليوم الى موضوع العنف ضد النساء, الى الشهوانية في الروايات التي تكتب من قبل النساء, الامر الذي يسهل كثيراً ايجاد الناشر المناسب وسوق القارئات. ونلاحظ ان اقسام الدعاية لدور النشر تلك تتلاعب في سبيل زيادة المبيعات باخفاء هوية الكاتبات, ما يثير الشك في ان هذه المنتجات فقط تدعي انها كتبت من قبل نساء عربيات. "ان الشرق هو بدعة الغرب" ـ كما قال قبل اعوام الروائي والشاعر اللبناني عباس بيضون مستنداً الى تحليلات المفكر الراحل ادوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" لكن رهان الناشرين في اوروبا الذين يرغبون في اشباع متطلبات معينة لدى القارئات والقراء عندما يدور الامر عن الشرق, لن يتم كسبه الا بموافقة الكتاب. وبالتأكيد لم تتماش في الماضي مع هذا الاتجاه اهم مجموعة من المترجمين المعنيين بالادب العربي الحديث. وسأعرض الآن بشكل موجز الأسباب الأخرى التي تعيق انتشار الأدب العربي في الأسواق الأوروبية: لا تصدر على صفحات الأدب المهمة مطالعات كافية للأدب العربي, والسبب هو عدم وجود الخبرات الكفؤة ضمن هذه الصحف. ومن ناحية اخرى عدم توافر الاستمرارية الكافية. والاستثناءات القليلة التي نجدها في صحف (Zeitung, Le Monde وNeue Zuricher وFrankfurter Allgemeine وLiberation وEl Pais) تؤكد ان الصورة العامة غير مرضية على الاطلاق. ولم يعد هناك وجود لتراث المناقشة والحوار العلني العام حول المؤلفات العربية من وجهة نظر أدبية وجمالية, فالجامعات كثيراً ما تتوارى بعيداً عن الواقع اليومي, وتوجه انظارها الى الماضي أو تشغل نفسها بدراسات لغوية, فيبقى الحوار العام مع الأدب المعاصر استثناء نادراً. كما ان الجامعات لا تقدم الدورات التأهيلية لمترجمي الأدب العربي - وان قدمت دورات كهذه فباختصاصات الحقوق أو التجارة فقط. وبما ان نشر الأدب العربي تجارة غير مدرة لأرباح كبيرة, فلا يتم تشغيل آلية الاعلان إلا قليلاً. ولا أرى أي نشاط مشترك لجميع دور النشر التي تتميز بنصوص عربية مترجمة لا في المانيا ولا في الدول الاخرى. وحتى الملتقي الأوروبي - العربي للكتاب الذي ينظمه معهد العالم العربي في باريس لم يستطع الى الآن جذب جمهور غير الجمهور المهتم اصلاً. لكن هناك ايضاً ما يثير الفرح, وهو تزايد عدد المهرجانات الشعرية الدولية خلال الأعوام الماضية, والتي يشترك فيها شعراء العالم العربي بشكل طبيعي, وكذلك عدد المهرجانات الشعرية العربية التي تقام في كل انحاء أوروبا. ومع الأسف هنالك تناقض منتشر نجده ايضاً هنا في المانيا. فبينما تجهد مجلة الديوان - مجلة الشعر العربي والألماني المتفوقة والمزدوجة اللغة, والتي تصدرها الشاعرة العراقية أمل الجبوري أقصى جهدها من أجل البقاء, نجد مجلة اخرى اسمها "الشرق" تتوزع على كل الأكشاك بوفرة, وهي مجلة تهتم بالرقص الشرقي قبل كل شيء. ولكن هناك ايضاً مسببات ضمن العالم العربي تعيق اثارة فضول القارئ تجاه الأدب العربي. فحركة النشر وثقافة القراءة عموماً في اكثر الدول العربية لا تساعدان على انجاح الاعمال القصصية. فطبعات الأعمال ذات المستوى الأدبي الرفيع متدنية العدد بشكل عام. وأكثر دور النشر لا تتمتع بعلاقات دولية. كما ان كثيراً من ترجمات الاعمال العربية الى اللغات الأوروبية يتم بعيداً عن دور النشر العربية الاصلية وعبر قنوات غير سليمة من خلال الذين ينقلون هذه الأعمال, ومنهم المترجمون. ولنقها بشكل مبالغ فيه: ان الأدب العربي لا يستطيع الدخول الى الاسواق الأوروبية بشكل جدي إلا عندما يُقرأ ويُقدر في العالم العربي. ومن المؤسف انه في كل أوروبا لا يتم التعرف على هذا الأدب إلا عندما يتم منعه في بلاد المنشأ, وكثيراً ما يلعب الدين دوراً في هذا. والدور المتواضع ليس مقتصراً فقط على الأدب العربي في الأسواق الأوروبية, بل يشمل كذلك - من وجهة نظر استراتيجية - عمالقة النشر والاعلام في العالم العربي اجمع, وباستثناء المجال الضيق لناشري المواضيع التقنية والعلمية (وعدد من دور النشر الفرنسية في بلدان المغرب ولبنان) - وباستثناء التلفزيون طبعاً - لا نرى أي محاولة من "الكبار" لكسب الأسواق العربية. وهذا يثير الدهشة, لأن التقرير الأخير للتنمية البشرية في العالم العربي أوضح بصورة مفصلة اتساع أسواق التأهيل والتثقيف ضمن العالم العربي. ولكن هذا يعني ايضاً ان العالم العربي لم ينضم بعد الى حركة التبادل الدولية لحقوق الترجمة. وتترتب على هذا الوضع نتائج: فمجموعة المفكرين العرب مثلا لا يتسنى لها بالقدر الذي تود الرجوع الى ترجمات عربية لاهم نصوص الشمال. ان حجم مبيعات الاعمال الرفيعة فكرياً وادبيا لكتاب الشمال لا تعوض تمويل الترجمات, فمن دون الدعم الخارجي من اطراف ثالثة لا يتحرك شيء (واذا تحرك شيء من دون هذا الدعم فبسبب الشهرة العالمية للكاتب او جائزة نوبل. وان وجدت الترجمة الى العربية تواجهنا في كثير من الاحيان ظاهرة القرصنة الفكرية). ونتائج هذه الحال تعود على الحوار الفكري. ان عدداً كبيراً من اعمال المفكرين الجدد والذين يؤثرون على هذه الحوارات في اوروبا ــ وجزئياً في اميركا الشمالية ــ غير متوافر على شكل ترجمات عربية وهو موضوع نقاش بدأ قبل اربعين عاماً ولم ينته بعد. والوضع عكسي ايضاً, لان جزءاً كبيراً من الحوارات الجارية داخل العالم العربي يمر من خلفنا نحن في أوروبا, فعدم ترجمة تلك الكتب والمقالات له تأثير سلبي مشابه. ان العالم العربي هو ضيف الشرف في معرض الكتاب 2004 في فرانكفورت. وتأخذ الظاهرة الادبية هذه مكانها ضمن ما يحكم العلاقات بين اوروبا والعالم العربي منذ أمد طويل, فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهرت خطوط عميقة للخلافات. وما زال سوء فهم متبادل ينتشر بين الحين والآخر. فلا بد من تحليل واقعي وناقد للماضي من أجل النظر الى الأمام, ومن أجل ان يسمع صوت العالم العربي بشكل أكثر وعياً عما كانت عليه الحال في العقود الماضية. وللشعراء والقصاصين والروائيين دور مهم في هذا المجال, لعله أكثر أهمية من دور الرؤساء والوزراء والديبلوماسيين. بيتر ريبكن المصدر: http://www.freemediawatch.org
    [/align]
  • عبدالرحمن السليمان
    عضو مؤسس، أستاذ جامعي
    • May 2006
    • 5732

    #2
    ألم يستوقف هذا المقال أحدا؟!

    تعليق

    • Aratype
      مشرف
      • Jul 2007
      • 1629

      #3
      [align=right]
      نعم، استوقفني مرات ومرات، ولكن الأمر مجرد كلام في كلام...

      الشباب سينظمون مؤتمراً، ادخل إلى موقعهم وسترى أنه مازال صحراوياً منذ أشهر ولا شيء فيه سوى إدفع رسم الاشتراك بالمؤتمر، بالمناسبة رسم اشتراك باهظ لمن يريد العمل على إحياء اللغة العربية...
      [/align]
      التعديل الأخير تم بواسطة Aratype; الساعة 11-01-2009, 06:15 PM.

      تعليق

      • خلوصي طالب النور
        عضو منتسب
        • Jun 2009
        • 11

        #4
        [align=center]
        أنا أعتقد أن أديب الإنسانية يشق طريقه بقوة في ديار الغرب و الشرق معًا !؟
        ترجمت كتبه إلى أربعين لغة !؟!
        [/align]
        ..
        فإن قابلت ذلك الجمال الباهر
        جمال الأسماء الإلهية
        بجمال الإيمان و جمال العبودية
        تكن أحسن مخلوق وفي احسن تقويم ..


        بديع الزمان سعيد النورسي


        تعليق

        • Aratype
          مشرف
          • Jul 2007
          • 1629

          #5
          يا جماعة هذا المجلس عبارة عن نصب منظم... بعد سنتين انظروا إلى موقعه !

          تعليق

          • سليمان
            عضو منتسب
            • Oct 2010
            • 163

            #6
            [align=right]السلام عليكم أخي د. عبد الرحمان
            مقال واف شاف كاف ألم بجميع نقاط مشكلة تضاءل نسبة ترجمة الأعمال المكتوبة بالعربية إلى اللغات الغربية بالخصوص.
            سؤالي : ماذا يمكن للمترجمين الغربيين ترجمته من العربية اليوم؟ وهل العمل المترجَم يمكن أن يحقق أرباحا أو على تقدير تغطية تكاليف النشر والترجمة؟
            [/align]

            تعليق

            يعمل...