الدكتور علي درويش

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • admin_01
    إدارة المنتديات
    • May 2006
    • 425

    الدكتور علي درويش

    الدكتور علي درويش ـ صاحب فكرة الجمعية الدولية للمترجمين العرب، مترجم عربي وأستاذ بارز له حضور ملموس في ساحة الترجمة العالمية.

    المؤلف في سطور

    علي محمد الدرويش

    - لبناني المولد والمنشأ. أمضى جزءاً كبيراً من حياته في المهجر بين بريطانيا وأستراليا، دون أن تنقطع صلته بالوطن الكبير.

    - مؤلف ومترجم وكاتب ومحاضر قدير. تخصص في الترجمة والتواصل التقني وإدارة المعرفة واللغة والأدب. يمتاز بتوقد الذهن وسعة الاطلاع والمعرفة وغزارة الإنتاج. قال عنه قنصل لبنان العام بفكتوريا الدكتور طنوس عون "هو المعروف بطول باعه وسعة اطلاعه في ميدان الترجمة التي برع فيها فغدا مرجعاً موثوقا" (2001).

    - يحمل شهادة الماجستير في الترجمة من جامعة سالفورد في بريطانيا (1988) ودبلوم دراسات عليا في الترجمة من معهد اللسانيين البريطاني وشهادة امتحان الترجمة النهائي من المعهد نفسه. وهو مؤهل في الترجمة بالمستوى الرابع بالاتجاهين من الهيئة الوطنية لتأهيل المترجمين والتراجمة (1989). أنهى بحثه في الدكتوراه في الترجمة والتواصل في عام 1998.

    - عمل في الترجمة والتحرير والصحافة والإعلام والأفلام ومجالات شتى وفي التأليف التقني وهندسة العمليات في تكنولوجيا المعلومات، وتبوأ مناصب مرموقة، في الوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وأستراليا (منذ عام 1989). ويعمل مستشاراً للتواصل التقني وإدارة المعرفة ومحاضراً في الترجمة والتواصل في جامعة معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا (RMIT).

    من مؤلفاته الجديدة:
    - دليل المترجم (2001)
    - دليل الترجمان (2003)
    - (2003) The Transfer Factor
    - أزمة اللغة والترجمة والهوية (2005)

    المصدر: كتاب "أزمة اللغة والترجمة والهوية في عصر الإنترنت والفضائيات والإعلام الموجه"، شركة رايتسكوب المحدودة، 2005، ملبورن، أستراليا.

    موقع الأستاذ الجليل على الإنترنت:


    موقع "معهد معايير الترجمة" (Translation Standards Institute) الذي أسسه:


    منتديات المعهد:


    مقالات على الإنترنت (أنشرها هنا بإذن من الأستاذ الكريم):

    - لغة أجنبية وأصوات عربية: ظاهرة الاستغراب الفكري واللغوي في اللغة العربية الحديثة:


    - التـرجمـة العربيـة بعد ثلاثة أجيـــال من الـمــورد:


    - المنطق اللغوي في العربية المعاصرة تحت أجنحة القطا وتحدي قوانين الطبيعة: اختفاء الوعي والسليقة:



    - الإنـترنـت وأدب الاســتبـاحـة: أثــرهما في توثيق المعـــارف المترجمـة إلى العربية فـي عصـر العولـمـة والمسكـنة:


    - الترجمة بين الاستعلاء الثقافي والاستلاب الحضاري:



  • amattouch
    عضو منتسب
    • May 2006
    • 971

    #2
    الدكتور علي درويش

    لغة أجنبية وأصوات عربية: ظاهرة الاستغراب الفكري واللغوي في اللغة العربية الحديثة



    بقلم علي درويش*





    تعاني اللغة العربية الحديثة حالةً من الاستغراب والاستلاب في الأنماط اللغوية والفكرية. ولا نبالغ إلا قليلاً إذا قلنا إن العرب المحدثين ينطقون لغة أجنبية بحروف وأصوات عربية. ولا نحيد عن الحقيقة إذا قلنا إن الجزء الأكبر من اللغة اليومية للمثقفين والمستثقفين العرب غريب ومستورد من اللغات المسيطرة لاسيما اللغة الإنجليزية – وهي بلا منازعٍ لغة التواصل العالمي والتقنية الحديثة والحضارة والسياسة والفكر المعاصر. ولمّا كانت اللغة مرآة أهلها ووعاء فكرها فإن اللغة العربية تعكس حالة التردي الفكري واللغوي وربما الاجتماعي التي وصل العرب إليها في مطلع القرن الحادي والعشرين.

    قد يعجب المرء لمن تتردى لغته العربية وهو يعيش في المغترب ردحاً من الزمن نظراً للتأثير السلبي الذي تفرضه البيئة اللغوية والحضارية الجديدة والابتعاد قسراً أو طوعاً عن وطنه الأم. ولكن العجب العجاب في ما نقرأه ونسمعه في قلب الوطن العربي النابض باللغة العربية، والذي تحمله إلينا ونحن في المغترب فضائيات عربية ليست في الواقع سوى نسخة كربونية قلباً وقالباً عن فضائيات ومحطات تلفازية غربية وبالدرجة الأولى أميركية أو بريطانية ، وينقله إلينا كتاب ومفكرون عرب نظنهم للوهلة الأولى يتحدثون العربية وهم في الواقع وللأسف ينطقون ويكتبون تعابير إنجليزية بأصوات وحروف عربية. و"الشيطان يكمن في التفاصيل" ، على حد قول أحد مراسلي إحدى الفضائيات العربية. ولنا هنا وقفة ، فهذا التعبير إن أثبت شيئاً فإنه يثبت صحة هذه المقولة. فهو ترجمة حرفية للتعبير الإنجليزي (the devil lies in the details). ولو أنعمنا النظر في هذه الترجمة لوجدنا أن فيها علتين: الأولى معارضتها للثقافة العربية التي لا تقحم الشيطان في التعابير اليومية على هذا النحو. والثانية أن كلمة (devil) في الإنجليزية لا تعني )الشيطان) ههنا بل عفريت وما شابهه. أما (Satan) وغيرها فهي للشيطان. والتعبير الإنجليزي بمعناه الوظيفي هو (العلة في التفاصيل). ولكنْ مثلُ ذاك المراسل مثلُ المحلل السياسي العربي الذي "يرمي الطفل مع ماء الغسيل"، وهذا أمره أكثر عجباً وغرابة ، فمتى رمت الأمُّ في بلادي طفلها مع طشت الغسيل؟ أوليس ذلك ترجمة حرفية معيبة لـ(to throw the baby with the bath water)؟ ثم نجدهم يقلدون تقليداً أعمى ويرددون بلا وعي تعابير اصطلاحية إنجليزية مترجمة ترجمة هزيلة خارج بيئتها الطبيعية فهذا كاتب يضع العربة أمام الحصان (to put the cart before the horse) وهو ينادي بهوية عربية وتلك مذيعة تحاول أن تجسر الهوة بينها وبين المستمعين (to bridge the gap)، فرأب الصدع بات "دقة قديمة". وذاك مترجم متحذلق يخطئ في تلازم الكلمات فتظهر عليه "آيات الخجل" فلا يعرف الفرق بين أمارات وآيات وأن الثانية لا تكون إلا للأمر الحسن، ويعزو ذلك إلى التجديد في اللغة ، ويردد بعده المرددون ، ثم يتساءلون لماذا تتردى اللغة وتفسد تعابيرها؟ ويتخبطون ويعتصرون الفكر بمشاريع قابلة للحياة ويخططون لسلام قابل للحياة، ويحلمون بدولة قابلة للحياة ، ترجمة حرفية معجمية حمقاء لـ (viable)، وكلهم يتدافع ويتهافت لتوجيه رسالة إلى دولة ما أو طرف من أطراف الصراع والنزاع ، متمسكين ومتشبثين بأول معنى يرونه لكلمة (message) في المعجم الثنائي اللغة فكأنها رسائل بريدية، وكأننا فقدنا العبقرية اللغوية فرحنا نتعامل مع المفاهيم الجديدة من خلال المعاني الأولية المعجمية البحتة للكلمات والمصطلحات الإنجليزية تحديداً ، ورحم الله أصحاب المورد والعصري. ثم يختفي المفعول المطلق ويحل محله "بطريقة" أو ما شابه ذلك ، لا لشيء وإنما لطغيان الحرفية المعجمية على عقول المترجمين والمسترجمين من كتبة وإعلاميين. وتسقط نون النسوة وتضيع تاء التأنيث أو تكاد ، حتى صارت النساء، بل السيدات — إذ أن كلمة امرأة غدت من المحرمات في بلادي فتجد السيدة والرجل فهناك سيدة وليس هناك سيد، وهناك رجل وليس هناك امرأة ، وذلك إمعاناً في الخلل المنطقي أو المنطق المختل — حتى صارت النساء والنسوة يخاطبن بعضهن بصيغة المذكر ، أسوة بنساء الغرب وحركة التحرير النسائية الغربية التي لا تفرق بين التعبير وأدواته وتخرق قواعد ضبط الكلام ضبطاً منطقياً. وهذا للنساء فقط! وقد يجرُّ هذا الكلامُ ردودَ فعل بل ردود أفعال مختلفة ، فقد بلغ منا الغباء مبلغاً حتى صار الفعل أفعالاً لأننا نعجز عن فهم اللفظ الإنجليزي (reactions) فنخال الجمع تفصيلاً ردودَ أفعال. فـ (reaction) رد فعل ، و (reactions) ردود أفعال على حد قولهم! وها هو اسحق نيوتن يتململ ويتقلب في قبره. ونحن هنا بالطبع لا ننتقص المرأة حقها في المساواة والحرية وغيرها من الحقوق التي لا تحصر نفسها في سفسفات وسفسطات لغوية غربية، وإنما ننتقد التقليد الأعمى والأجوف الذي يتلهى بالقشور وسطحية الأمور فيعتري الفكرَ خللٌ وعيبٌ واستلاب فينصرف عن الجوهر إلى الأثواب.

    ولكي نُظهر لمن هم حولنا أننا على دراية بلغة أجنبية ، فهذا بالطبع من أمارات الرقي الاجتماعي ومظاهر التقدم الثقافي والتنطس الفكري ، فإننا نلجأ في الغالب إلى تفسير ما ننطق به بالعربية بكلمات أجنبية ، فلا يتورع مسؤول سياسي أو محلل اقتصادي أو طبيب نفسي عن النطق بكلمة "تسوية" مثلاً وإردافها فوراً بتوأمها الإنجليزي (compromise). وذلك لترسيخ الكلام في لب السامع ومنع الالتباس، وكأن اللغة العربية أضحت لغة الغموض والجمود . وكيف لا ونحن نصبو ونتشوق إلى أن نرقى إلى مصافِ الأمم المتقدمة. أوليس التقليدُ كما يقولون أفضلَ ضروبِ المديح؟ أم أننا نسينا ما قاله أجدادنا الراشدون" أول الذم المديح"؟

    هناك من يزعم أن اللغة العربية آخذة في الانحسار والتراجع في الوطن العربي. ولعل في هذا الزعم شيئاً من الصحة. فثمة طائفة من الناس تعتقد أن التشدق بلغة أجنبية هو السبيل الوحيد إلى الرقي الاجتماعي والوصول إلى مراكز مرموقة في مجالات شتى. فتجدهم ينصرفون عن اللغة العربية ويرسلون أبناءهم إلى مدارس أجنبية ويتحدثون معهم بلغة أجنبية فتجد الأب والأم يحادثان ابنهما بلغة إنجليزية أو فرنسية منقوصة محدودة في أغلب الأحيان، وكأنّ أبويه شكسبيير وشارلوت برونتي أو فولتير وماري أنطوانيت ما شاء الله. ولكن هذا لا يعدو كونه نزوة وزيغاً وانحرافاً لا يتخطى طبقة قليلة مترفة متخمة من المجتمع أو فئة موسرة من النخب المثقفة أو المستثقفة أو المستلبة أو طائفة مُنعمة مستنعمة من البشر. ولكن الأخطر من ذلك كله أن العرب المعاصرين من مفكرين وأدباء وشعراء وسياسيين ومبدعين ومحللين وبسطاء ، بنحلهم ومللهم ومشاربهم ومآكلهم ومناقبهم ومثالبهم ، أي بكل أطيافهم، بل بكل ألوان الطيف ترجمة لـ full spectrum، كما يجري الاستعمال المهيمن في الإعلام والسياسة اليوم ، يفكرون وينطقون بكلامٍ ذي حلة عربية متهرئة من خلال ترجمة حرفية لما يقرأونه ويسمعونه ويتلقفونه من كلام إنجليزي أو من ترجمات تعتمد في جلها الحرفية العمياء التي تتجاوز المقبول والمستساغ بل المنطقي والمتعارف عليه في المجاز والاستعارة وتخالف شروط الفصاحة والبلاغة في اللغة وأبسط قواعدها حتى في حروف الجر ، فتسمع مذيعي الأخبار ومقدمي البرامج يقولون: أهلاً بكم إلى نشرة الأخبار بدلاً من (أهلاً بكم في نشرة الأخبار) وما يجري جريها. فعندهم كلمة (أهلاً) تعني (تعالوا إلى نشرة الأخبار). والأصل كما تعرفون أو ربما لا تعرفون أن أهلاً هي اختصار لـ صادفت أهلاً لا غرباء ووطئت سهلاً لا وعراً. فنخالهم يقولون (صادفت أهلاً إلى نشرة الأخبار). وهذا بحكم التبعية اللغوية والتأثر الحرفي بالمصادر الأجنبية ، لا سيما الإنجليزية (welcome to the news)، إما بسبب التقليد أو تلقي التدريب على أيدي خواجات ، أو خبراء أجانب.

    قد يتوهم بعض المحللين أن ذلك مرده إلى الأنماط الفكرية الأجنبية المكتسبة من خلال تعلم اللغات الأجنبية. ولا شك أن في هذا التحليل جانباً كبيراً من المبالغة والخطأ. فمن يحلل طرائق تعليم اللغات الأجنبية في الوطن العربي ، حتى في المدارس الأجنبية والخاصة التي تحظى ولا تتمتع برعاية متميزة ، سرعان ما يدرك أن تلقي المعرفة اللغوية لا يتخطى حدود سطحية الكلام. ولعل ما قاله المفكر العربي إدوارد سعيد ، وإن كان مجحفاً قليلاً، يكاد يكون أقرب إلى الواقع من أي تحليل آخر. ففي معرض تحليله ونقده للروائي البولندي البريطاني جوزيف كونراد وأسلوبه الإنشائي الإنجليزي قال إدوارد سعيد في مقابلة تلفازية مع القناة البريطانية الرابعة إن أسلوبه يذكره بنمط الإنجليزية التي كان ينطق بها زملاؤه العرب أيام كان يسكن في ذاك الركن من العالم. ومرد ذلك في الأغلب إلى سطحية تعلمهم للغة الإنجليزية ، دون تجاوزها إلى الأنماط الفكرية وطرائق الإنشاء فيها. ولكن الأمر لا يتعلق بطرائق اكتساب أو تعلم اللغات الأجنبية بقدر ما يختص بدور الترجمة العربية ومستوى المترجمين ومناهجهم وطرائق نقلهم للمعرفة والعلوم والمعلومات. فللمترجمين العرب ومن يحتضنهم من وسائل إعلام مرئية أو مسموعة أو مطبوعة وفضائيات تُعْمِلُ في التقليد والنقل الحرفي لمصادر الأخبار والأنباء حتى في ما يتعلق بالأخبار المحلية ، التي تردهم من وكالات عالمية مثل رويترز والأسوشيتد برس ، بل وفي طريقة التلفظ وتشديد أواخر الكلمات بشكل متصنع متكلف على طريقة المذيعين والمذيعات الأميركيين، ضلع غليظ في نشر وتكريس تعابير ومصطلحات تعوزها الصحة والدقة وأنماط فكرية غريبة عن الطبع العربي والفطرة والسليقة اللغوية للناطقين بالضاد . ومن يتتبع البرامج الوثائقية المترجمة التي تبثها تلك المرافق يصاب بصداع وتشنج في عضلات الرقبة. وذلك بسبب حرفية النقل لا على مستوى الكلمة فحسب بل على مستوى الجملة والفقرة. فتجد المترجم أجبن من أن يتجاوز شكل وقالب النص الأصلي وتراه يلتصق التصاقاً تعوزه الثقة والجرأة بل والمعرفة العميقة بمقتضيات الترجمة وشروط وقواعد اللغة المنقول إليها، فإذا به يضرب بها عرض الحائط ولا يأبه لشروط التعاطف والتماسك في اللغة العربية فتأتي جمله مفككة مرصوفة جملةً جملة تفتقر إلى الحبكة والترابط والاتساق. فإذا كان هذا ما يسمعه الناشئة من نماذج لغوية وأساليب إنشائية فلا عجب أن يصيب الخلل الإطار الفكري للأجيال القادمة. ولا بد لنا أن نعود إلى المربع الأول على حد قول أحدهم ، يعني (to go back to square one)، فكلنا مترجمون ناسخون غير مبدعين لا نعير أي انتباه للملكية الفكرية للمؤلفين الأصليين، فندعي ما نترجمه ملكاً لنا ونستبيح جهد غيرنا دون رد الكلام إلى أصحابه كأدنى درجة من درجات النزاهة الفكرية والخلقية. وكيف لا ونحن نقسط الأخلاق للناس. قد يعتقد بعضهم أن هذا النهج هو نهج سليم يكفل للعرب الرقي والتقدم فلا ضير من النسخ والترقيع. ولكن الحقيقة المُرة أن تَعَلُّمَ اللغات الأجنبية خارج بيئتها لا يتخطى في جله مستوياتٍ معينةً من التعبير، ويتراوح التمكن من المستويات المختلفة لأنماط التعبير ولهجات الخطاب من فرد إلى آخر بحسب الملكة اللغوية والاستعداد الفطري عنده. وهذا جانب من أخطر الجوانب لأنه يحد من عملية الإبداع الفردي ويكبح القدرة على التعبير الكامل للوجدان فتطغى السطحية والقشرية على مجمل الفكر فينحصر في الحواشي ويبقى مُستقبِلاً متلقياً غير فاعل أو منتج للحضارة والمعرفة والعلوم. وقد لاحظ المهاتما غاندي ذلك الأثر السلبي في خطابه الشهير الذي ألقاه في الرابع من شباط 1916، إذ قال : "إن لغتنا انعكاس لأنفسنا. فإن قلتم لي إن لغاتنا عاجزة عن التعبير عن أفضل الفكر، فإني أقول لكم أولى بنا أن نعجّل بالاندثار من الوجود. فهل هناك من يحلم بأن تصبح اللغة الإنجليزية إطلاقاً اللغة الوطنية للهند؟ (...) لماذا يُلقى بهذا المعوق على كاهل أمتنا؟ فلتتأملوا لحظة واحدة أي سباق غير متكافئ هذا الذي يضطر أبناؤنا إلى خوضه مع كل ولد إنجليزي. (...) إن كل شاب هندي يخسر بسبب وصوله إلى المعرفة من خلال اللغة الإنجليزية ما لا يقل عن ست سنوات غالية من حياته (...) إنهم يتهموننا بأننا لا نأخذ بزمام المبادرة . وأنى يكون لنا هذا ونحن نكرس سنوات حياتنا الغالية في التمكن من لغة أجنبية؟"

    ورغم انتشار اللغة الإنجليزية في الهند على نطاق واسع منذ عهد غاندي ويتحدث بها اليوم حوالي 4 بالمائة من السكان ، أي ما تعداده 35 مليون نسمة ، ورغم حاجة الهند إلى لغة واحدة للتواصل نظراً لتعدد لغاتها، على عكس الشعوب العربية التي تشترك في لغة واحدة ذات بعد حضاري وتاريخي وقومي، يكفل تماسك شعوبها وتواصلهم الفعال ، فإنها لا تتسم بالقوة الرمزية على حد قول فاسولد (1984) لتكون لغة البلاد الرسمية ، ولم تنجح في أن تحل محل اللغات الوطنية الخمس عشرة في الهند. أفلا تعتبرون يا أولي الألباب؟ ولكنك كأنك تضرب حصاناً ميتاً ، على حد قول أحد الإعلاميين العرب مؤخراً، ترجمة حرفية هزيلة تخلو من الفصاحة والبلاغة لـ (to flog a dead horse) ، ولا حياة لمن تنادي !

    إن للمؤسسات الإعلامية والتربوية دوراً كبيراً في تعزيز مكانة اللغة العربية في بيئتها الطبيعية أو الإسراع بنفيها بصورتها الطبيعية إلى عالم اللغات النَّغِلَةِ، فما غزي قوم في عقر دارهم إلا وذلوا وما غزيت لغة في بيئتها إلا نَغِلَتْ وذل أهلها وتشتت أمرهم. فلن يكتب للحضارة ، أو الثقافة كما يحلو لبعضهم أن يسميها ، أن تستمر وترقى إنْ سُلخت عن وعائها ووسيلة التعبير عنها. ولن يكتب للغة أن تستمر وتبقى إنْ استُبعدتْ عن حضارتها. هذا ما يجمع عليه الباحثون الغربيون ودعاة الاستعمار اللغوي والإمبريالية الثقافية، ولقد عبر غاندي مرة أخرى عن هذا بقوله : " أنا لا أريد أن تحيط الجدران بيتي من جميع جوانبه ، ولا أن تكون نوافذي مسدودة. بل أريد أن تهب جميع حضارات الأرض حول بيتي بكل حرية . ولكني أرفض أن أُقتلع من جذوري".

    وكما قال الدكتور عثمان أمين في كتابه "فلسفة اللغة العربية" : "مَنْ لم ينشأْ على أن يُحِبَّ لغةَ قومِهِ ، استخفَّ بتُراثِ أُمَّتِهِ ، واستهانَ بخصائصِ قوميَّتِهِ" . أَمَا رأيتَ كيف يغضبُ الفرنسي إذا قلتَ له إن لغته الإنجليزية أفضل من لغته الفرنسية وكيف ينشرح فؤاد العربي لك إذا قلت له فرنسيته أو إنجليزيته أفضل من عربيته – ذلك هو أفضل دليل على توجهاتنا المستقبلية. N'est pas ؟

    ________________________

    أستاذ الترجمة في جامعات ملبورن - أستراليا*
    د/ محمد عمر أمطوش

    تعليق

    • amattouch
      عضو منتسب
      • May 2006
      • 971

      #3
      الدكتور علي درويش

      التـرجمـة العربيـة بعد ثلاثة أجيـــال من الـمــورد



      بقلم علي درويش*




      لا ينكر إلا جاحدٌ فضلَ الأستاذ منير البعلبكي على اللغةِ والترجمةِ والعملِ المعجمي والخدمةَ الجليلةَ التي أدّاها ذاك العلامةُ الكبيرُ لحركة النقل والتعريب في الوطن العربي في القرن العشرين وبخاصة في العقود الثلاثة الأخيرة منه. فقد كان الموردُ المعجمَ الثنائيَّ الأوحدَ الذي ترعرع عليه ثلاثة أجيـــال من الطلاب العرب عموماً والمترجمين خصوصاً. فصار معينهم وموردهم بل ومنجدهم حيث لا منجد غيره في كل أمر يتعلق باللغة والترجمة والتعريب. وبعد ثلاثة أجيال من أَتْبـَاعِ المورد أو المورديـين – إن صحّ التعبير – فإننا نلاحظ نهجاً واحداً يطغى على تلك الأجيالِ من المثـقفين والمترجمين العرب. ويتمثل هذا النهج في حرفية النقل والترجمة التي تعتمد اعتماداً صارخاً على المعجمية البحتة خارج السياق الوظيفي للغة. فها أنت على متن طائرة عربية في رحلة طويلة يعذبك ويضنيك - إن كنت ممن يحرصون على سلامة اللغة والدقة في الترجمة والتعبير - أن تسمع تنبيه المضيف المتكرر طوال الرحلة وهو يصدح في المجهــار بكل فخر وثقة واجترار (يرجى ملاحظة إشارة ربط الأحزمة) تتلو أصلها الإنجليزي (Please observe the “fasten your seatbelt” sign)، كلما أصاب الطائرة ارتجاج جوي. فتلاحظها بأم عينك ولا مناصَ لك من ذلك.



      لقد جاء المورد في مطلع السبعينات ليسد ثغرةً كبيرةً في المكتبة العربية آنذاك ، إذ لم يكن هناك سوى قاموس أساسي واحد متداول هو القاموس العصري للأستاذ إلياس إلياس الذي أصدره للمرة الأولى عام 1913 ، وتكررت طبعاته منقحةً ومزيدةً ومستنسخةً على حالها حتى عام 1963 . فكان ذاك القاموس العصري مرجعاً ثرياً للطلاب الذين يدرسون المعارف والعلوم في غير لغتهم أو يتعلمون اللغة الإنجليزية كلغة ثانية أو ربما ثالثة. وكان دُرةَ المعاجم مقارنةً بالمعاجم الأخرى آنذاك . ولكنه كان كغيره من القواميس الثنائية يتخلف تخلفاً سريعاً عن مجاراة التغيرات والتحولات التي كانت تصيب اللغة الإنجليزية في مجالات شتى من المعارف والعلوم . مما دفع البعلبكي إلى إعداد مورده وإصداره لأول مرة عام 1967، فحل في وقت وجيز محل المعاجم الأخرى كمصدر أساسي للمعرفة الثنائية اللغة ، وسرعان ما اكتسب قدسية خاصة عند نفر كبير من المترجمين والمثقفين وصار مرجعاً يُعتد به ، لا نقاش فيه ولا جدل (هكذا قال المورد ، وكذا قرأتها في المورد، الخ). وهنا الخطر البَـيّن.

      عندما وضع البعلبكي مورده لم تكن في نيته ، وهو أميرُ المترجمين العرب في العصر الحديث ، أن يكون معجمه مصدراً حرفيا للكلام، حيث قال بكل وضوح في تصديره للمعجم آنذاك: " ...أستيقنت منذ اللحظة الأولى أن المقابل العربي مهما يكن دقيقاً قد لا يكفي لتوضيح المراد أو حصره في الحدود التي رسَمَتها له المعجمات الإنكليزية – الإنكليزية . ومن ثـَمَّ أخذتُ نفسي بضرورة إتباع المدلولات في أكثر مواد المورد بأمثلة إنكليزية حيّة اقتبستها من مختلف المعاجم ، مع شيء من التعديل حيناً ، ومن غير تعديل حيناً (...) وبذلك جاء المعجم معلِّماً للغة الإنكليزية يستعين به من شاء الكتابة بهذه اللغة ، إلى كونه قاموساً يرجع إليه من شاء الاهتداء إلى معنى كلمة من الكلمات أو تعبير من التعابير". وهنا بيت القصيد ، فالمعجم لم يكن مصمماً للمترجمين بالدرجة الأولى وإنما لمن شاء أن يعرف معنى مفردة أو أراد أن يتعلم اللغة الإنجليزية من خلال المعاني التي حصرها المعجم في متنه. وهذا يعكس بوضوح الطريقة التي كانت مهيمنة آنذاك في تعليم اللغات الأجنبية في الوطن العربي وما تزال في الأغلب إلى يومنا هذا. ولكن هذه الناحية المهمة في المورد تغيب عن بال معظم الذين يلجأون إليه في الترجمة. فكم مورديّـًا توقف برهة لقراءة تصدير المعجم؟



      لا شك أن المعجميين والمشتغلين في علم المصطلحات يعرفون أن هناك ثلاثة أنواع من المعاجم : الأول معجم للفهم والإدراك ، وهو ما يسعى المورد إلى تحقيقه في معظم أرجائه. وهذا النوع من المعاجم تفسيري تعريفي يعتمد المرادفات والمعاني الدلالية والمعجمية البحتة عموماً والشرح والأمثلة أحياناً. وخير مثال على هذا النوع من المعاجم معجم "مريم وبستر" و معجم "أميركان هريتيج" ومعجم "أكسفورد" البريطاني. و الثاني معجم للإنتــــاج، وهو معجم يمكّنُ الباحثَ من استيعاب الكلمات واستعمالها استعمالاً صحيحاً وسليماً ، وذلك من خلال الأمثلة والشروح التي تركز على المعاني الوظيفية إضافة إلى المعاني المعجمية والدلالية، كمعجم "كولينز-كوبيلد" و "فليب دكشنيري" والمعجم المعكوس، وهي كلها معاجم أحادية . والثالث معجم للترجمة والنقل، وهو نادر في اللغات الأوربية لتقاربها إجمالاً ، ومنعدم أو يكاد في اللغة العربية، إهمالاً. وقد حاول الكرمي في معجم المنار عام 1971 تحقيق ذلك فنجح قليلاً ، إذ جمع بين المعجم والمجمع في متن واحد وضِمْنَ المادة الواحدة، ولكنَّ معجمه ، على فصاحته وسلاسته وتنوعه ، لم يلق النجاح والشهرة اللذين أحرزهما المورد.



      النوعان الأول والثاني من هذه المعاجم يكونان عادة بلغة واحدة، أو بلغتين — وهو ما اعتمده المورد وغيره في تخريج الطبعات العربية الثنائية. وهذه المعاجم الثنائية مترجمة في جُلّها عن معاجم أحادية، موضوعة في الأصل لتعريف القارئ بمفاهيم المفردات والمصطلحات. فإن أراد القارئ مفردات ومترادفات تسعفه في الكتابة استشار مجامع المترادفات (الثيسورات) وغيرها من المراجع اللغوية ليجد ضالته فيها. أما بالنسبة إلى عمل الترجمة ، فهذه المعاجم لا تؤدي سوى دور محدود . ومن الخطأ بل الخطل أن يلجأ المترجم إليها بغية فهم معاني الكلمات، بدلاً من استشارة المعاجم الأحادية ، وذلك لسببين. الأول هو أن المترجم يُحدُّ من الخيارات المتاحة له من خلال تفاعله الطبيعي مع اللغة ، وبلجوئه إلى المعاجم الثنائية يحكم على نفسه بتـأطير فكره، فيفهم الكلام من خلال الترجمة قبل أن يفهمه من خلال الأصل نفسه أو من المعاجم الأحادية. وفي هذا خطر قد لا يتبين لجمهرة من المشتغلين في الترجمة. فلنتأمل الجملة الآتية:



      البرلمان الياباني يوافق على إرسال قوات عسكرية إلى العراق وسط معارضة متنامية.



      لعلكم ترون في هذه الجملة مثالاً جيداً على التأثر بالحرفية المعجمية والفوضى اللغوية التي تعتري الفكر العربي بسبب ذلك. فالتنامي لا يكون عادةً إلا لما فيه الخير زيادة من نفسه. فالنبت ينمو ويتنامى. ولذا سُمي الشجر والنبات بالنامي. فكيف إذاً تتنامى المعارضة، وهي ، لغةً ، الاحْتِجَاجُ والْمُخَالَفَةُ والْمُمَانَعَةُ؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي الرجوع إلى الأصل الإنجليزي وهو:



      The Japanese parliament agrees to send military forces to Iraq amid growing opposition.



      فإن اطلعنا على كلمة (growing) في المورد وقفنا على الآتي:



      Grow:
      (1) "أ" ينمو ، "ب" ينبت (2) يكبر ، يقوى ، يزداد (حكمة الخ) ، (3) "أ" ينشأ ؛ ينتج عن "ب" يبرز ؛ يظهر إلى حيز الوجود (4) "أ" يصبح تدريجياً (to ~ old or pale). "ب" يستحوذ ؛ يمتلك (a habit ~s on one) (5) يُنبت ؛ يزرع (6) يربي ، يطلق (to ~ a beard).




      وقد أسقط المورد (growing) ظناً منه على الأرجح بأن الباحث يستطيع أن يتعامل مع لغته على نحو سليم إن هو فهم المعنى الأولي للفظ. ولكنَّ المترجم أخذ بأول معنى للكلمة وهو (ينمو) واستخدمه في ترجمته دون مراعاة شروط تلازم الكلمات والنواحي الوظيفية للكلمة فجاءت طبقاً للنهج الفسيفسائي الذي يطبع الترجمة العربية بطابعه الحرفي على مستوى المفردة والجملة. وكان حرياً بالمترجم أن يقول (وسط معارضة متزايدة أو متعاظمة أو متفاقمة).



      أما السبب الثاني فهو أن تفسير المفردات كلمة مقابل كلمة في تلك المعاجم غالباً ما يكون خارج السياق العام للكلام، إذ أنه في أفضل الاحتمالات تقريب استنسابي للمعاني الأولية والثانوية ، وتقابل نسبي بين مفردتين في لغتين حيتين آخذتان في التحول والتبدل والتفاعل كلاً في بيئتها الطبيعية، فتقتربان حيناً وتبتعدان أحياناً. ولهذا السبب فإن المعاني الدلالية لا تؤدي دائماً مؤداها في الترجمة على نحو سليم. فلنتأمل على سبيل المثال كلمة (prolific) في اللغة الإنجليزية في الجملة الآتية والاستعمال الجديد الذي طرأ عليها في العقد الأخير:



      A prolific serial killer was found hanged in his prison cell yesterday.



      استعمال (prolific) في هذا السياق يعيبه بعض الحريصين على اللغة الإنجليزية، فهو جديد يخرج اللفظ عن مدلولاته الأساسية الإيجابية . فلو نظرنا إلى المورد ، لوجدنا المقابلات الآتية التي تعكس تلك المدلولات:



      (1) مثمر ؛ وافر الإثمار (2) ولود ، كثير النسل (3) خصيب ، منتج ، كثير الإنتاج (a ~writer).



      وهكذا ، تجد المترجمين المورديـين يهرعون إلى المورد أو ما شابهه لترجمة الجملة السابقة، فإما أن يأخذوا بإحدى هذه المقابلات ، لا سيما المجموعة الثالثة منها، أو أن يبحثوا عن ضالتهم في مصادر أخرى ، فإن لم يجدوها اجتهدوا على النحو الآتي:

      العثور على أكبر سفاح بريطاني مشنوقاً داخل زنزانته أمس.

      العثور على اشهر مرتكبي جرائم القتل في بريطانيا مشنوقا في زنزانته أمس.

      العثور على السفاح هـارولد شـيبمان مشنوقا في زنزانته في بريطانيا.

      فهنا يصبح ( prolific serial killer) أكبر سفاح أو أشهر مرتكبي جرائم القتل.

      وفي غياب منهجيات واضحة ومقيسة للترجمة والمصطلحات يتخبط المترجمون – ومعظمهم دخل المهنة من غير تدريب أو تخصص ، فهي مهنة من لا مهنة له ، على حد قول أحدهم ، وتعـلَّم أو لم يتعلمْ من التجربة والخطأ – يتخبطون بين الحرفية من جهة كـ أيـدز وسارس وشزوفرنيا وألزهايمر وخلوي وخليوي وجوال ومحمول وسليولير وغيرها ، والتصرف الفاضح الذي يطرح بالمعاني خارج أطرها المرسومة لها ضمن معالم النصوص وحدوده ، ويخرج بالمصطلح إلى حيز الإنشاء والترجمات الركيكة والملتفة من جهة أخرى. فنجدهم يصدرون الفتاوى الاعتباطية بشأن اسم أجنبي مستعار ويصرون على استعمال أسماء الأمراض مثلاً على حالها ودون أدنى تغيير كـ "الزهايمر"[1] (بأي طريقة تلفظت بها) ، بدلاً من إخضاعها للنظام الصوتي العربي وصوغها في زنة فُعال على هذا النحو (.زُهـــَام) و(شُـــزَاف) و (سُـــرَاس) كزكام وسعال ورُهــَـاب و صُداع وغيرها، وتجدهم كذلك يقترحون ألفاظاً غريبة عجيبـةً لا تخضع للقياس أو المنطق اللغوي أو قواعد الاشتقاق والنحت كـ "بريدون" لـ (email) (وهذه تحتاج إلى حبة سريدون)، أو تعوزها الدقة والضبط كـ"الترجمة إلى إجراءات" لـ (proceduralization)، بدلاً من استخدام زِنة (اسْتَفْعَلَ) التي تفيد الطلبَ والصيرورةَ (انظر مقررات مجمع اللغة العربية) ، على هذا النحو (استجراء) أو (استجرائية) بمعنى جعل منه وأخضعه لإجراءات محددة. فمن معاني (اسْتَجْرَى) المشتقة من (جَرَى) طلب التسيير والتوكيل، ولا ضير من إضفاء هذا المعنى الجديد عليها. فهذه طبيعة اللغات الحية ومسيرة تطور المصطلحات والمفردات فيها. ومَنْ اتَّجَرَ بغَيرِ فِقْهٍ فقد ضَلَّ.

      وسبب هذا الاعتلال هو وجود ثلاثة مواقف فلسفية ومنهجية وسياسية واجتماعية بالنسبة إلى العمل المصطلحي في الوطن العربي. يتمثل الأول في العداء المطلق للاقتراض والاستعارة من اللغات الأخرى، بحجة أن اللغة العربية قادرة على التعبير عن أي فكر ورأي ، ولا خلاف في ذلك ، (فنجد الحاسوب والمذياع والمريـاء). ولكنه موقف غير عملي في ظل التبعية المعرفية الاستيرادية للعرب والناطقين بالضاد . والثاني يفتح الباب على مصراعيه للغزو الثقافي واللغوي ولاقتراض المصطلحات كما هي ودون تعديل أو تبديل (فنجد سارسْ ، ونيتو إنجليزياً وناتو فرنسياً ، وبارلومان ، بالباء المعجمة والنون المخففة على الطريقة الفرنسية)[2] ، وهذا موقف لا يمكن قبوله، وذلك لسببين رئيسين بسيطين هما ثنائية المصادر اللغوية بين فرنسية وإنجليزية تختلفان في مفرداتهما وطرائق التلفظ بهما، ومخالفة المقترضات للنظام الصوتي العربي (فنجد سيدا وأيدز مجتمعتين)[3]. والثالث يتمثل في المحافظة على التوازن بين الاقتراض من جهة والتعريب من جهة أخرى على أساس منهجيات مقيسة.

      ومما لا شك فيه أن المترجم يؤدي دوراً أساسياً ومهماً في صياغة المصطلحات وعملية التعريب فهو في طليعة الأفراد الذين يتعاملون يومياً مع عشرات المصطلحات والمفاهيم الجديدة والذين يقومون بدورٍ حيوي في نشر المصطلحات. ولما كانت اللغة العربية في هذا العصر لغةً مستقبِلة للعلوم والمعلومات والمفاهيم الحديثة من الإنجليزية بشكل خاص واللغات الأخرى عموماً فمن المهم جداً أن يكون المترجم واعياً لدوره في عملية صياغة المصطلحات ونشرها وأن يكون على دراية بالمنهجيات السليمة التي تضمن صياغة مصطلحات لا تشذ عن القياس ولا تخالف المنطق اللغوي — تذرعاً بالحداثة والتطور والتقدم ، والذي لا يلقى صدى إلا عند من تخونهم الملكة اللغوية أو تعجزهم المنهجيات والأساليب وتتجافى عن أذهانهم قواعد ضبط الكلام، وعند طائفة من المرتزقين والمتطفلين على مهنة الترجمة.

      وعلى الرغم من أهمية المصطلحات ومحورية دور المترجم فيها فإن المناهج الجامعية وغيرها ، بجلها لا تقدم مساقات خاصة بالمصطلحات ، إلا بشكل عابر عرضي أحياناً ، ولا تُدربُ المترجمين أو طلاب الترجمة على صياغة المصطلحات، ولا تعلمهم حتى كيف يستعملون المعاجم وكيف يختارون المفردات والمعاني السليمة، كأدنى درجة من درجات التدريب والإعداد . بل تكتفي بالنظريات المجزوءة والنماذج المنقوصة والمستوردة في غالبها من الغرب والتي تتعلق بالترجمة والنقل ضمن اللغات الأوربية، غافلـةً أو متغافلةً عن دور المصطلحات في الترجمة العربية والمشكلات التي تعرض للمترجمين بالنسبة إلى المصطلحات التي تصادفهم يومياً. بل والأغرب من ذلك كله أنها تستورد أخصائيين أجانب لتعليم الترجمة العربية وأصولها، ولا يشترط في هؤلاء المستورَدين أن يجيدوا اللغة العربية أو أن يكونوا على اطلاع عليها ودراية بها، فذلك مزية عارضة ، وليست شرطاً من شروط تعليم الترجمة للعرب. أما المعاجم والقواميس المتوافرة ، بما فيها المورد ، فإنها تعجز أحياناً كثيرة عن توفير ما يصلح من المصطلحات والمفردات أو تُسقِط من موادها مصطلحات هامة حتى يكاد يتراءى للمطالع والباحث أن واضع المعجم قد واجه صعوبة في إيجاد مصطلح مناسب في اللغة العربية فأسقطه من حسابه وتجاوزه إلى ما هو أسهل وأقرب منالاً. ولاشك أن للعامل التجاري دوره الأساسي في مجموعة المصطلحات والمفردات التي تضمها القواميس والمعاجم والمسارد . فما يُطبع منها أول مرة يتكرر استنساخه كما هو دون إضافات أو ملاحق أو تحديث فيتخلف عن الركب بينما تتطور اللغة الأجنبية وتزيد مفرداتها ومصطلحاتها. فاللغات ، كما أسلفنا، بين تقارب وتباعد مستمرين وتجاذب وتنافر دائمين. ولقد نشأ وترعرع على المورد ثلاثة أجيال من المترجمين الذين وإن لم يستشيروا المورد في كل شاردة وواردة ، قد أصبحوا مبرمَجين به. فقد أدى المورد دوراً جوهرياً في ترسيخ مقابلات عربية لمفردات إنجليزية صارت في المتعارف عليه بين المشتغلين في الترجمة والنقل. ومهرت طائفة من المتخصصين في حفظ تلك المقابلات عن ظهر قلب واسترجاعها كما هي.

      وبعد ثلاثة عقود على المورد ، ونشوء المذهب المورديّ في الترجمة، ما يزال العجز واضحاً في المكتبة المعجمية العربية. وما انفك المترجمون يتبعون منهج الحرفية المعجمية في ترجماتهم ، رغم وجود مدققين لغويين ومحررين وناشرين على جانب من المعرفة اللغوية ، إذ يطالعك مثلاً عنوانُ النسخة المترجمة لأوليفر نورث (Under Fire) على هذا النحو (تحت النار) ، فهل رأيت ما هو تحت النار؟ وكتاب آخر بعنوان الإرهاب والإرهاب المقابل ، ترجمة لـ (Terrorism and Counter Terrorism) أخذاً بالمقابل رقم (14) في المورد ، بدلاً من الإرهاب والإرهاب المضاد. فكلمة (counter) لا تقابل (مقابل) في هذا السياق. إذْ من معاني (قابل): واجهه والتقى ، جازى ، عارض وقارن وماثلَ. فأنت لا تجزي ولا تجازي الإرهاب بالإرهاب. وما يقال عن قابله بالمثل فهو اصطلاح. وما يتقابل لا يكون بالضرورة مضاداً.



      نحن لا شك في أمس الحاجة إلى معاجم مصممة للترجمة ، لا إلى مسارد تؤخذ من الإنترنت جملةً وتفصيلاً ومن مصادر مشكوك في صحتها فتُترجم من جانب أناس تعوزهم الخبرة والمعرفة اللغوية والتقنيات الخاصة بالترجمة ومنهجيات صياغة المصطلحات. فمع انتشار شبكة الإنترنت عالمياً ودخول الترجمة العربية عالم تقنيات المعلومات ، يتزايد عدد المواقع المترجمة إلى العربية، ويصبح توثيق المصطلحات والتحقق منها والاستشهاد بصحتها بالاستناد إلى ترجمات عوراء تتوافر وتتواتر على الإنترنت، فيتكرر الخطأ مرة تلو الأخرى حتى يصبح في المتعارف عليه. وهذه ظاهرة خطيرة أخرى تضاف إلى ظاهرة المورد في الترجمة العربية الحديثة ، تبيّن الحاجة الماسة إلى تدريب المترجمين على طرائق البحث والتنقيب والتوثيق والتحقيق (وسوف نعرض لها في حديث آخر). وكم نحن بحاجة فعلية أيضاً إلى تدريب المترجمين على أسس صياغة المصطلحات والتعامل معها ومع النصوص الأجنبية على نحو يكفل صحتها ودقتها ويستوفي معايير الترجمة وشروطها — ناهيك عن ضرورة التحرر من قيود الطرائق القديمة البالية في الترجمة ، التي لا تعير انتباهاً للنواحي الوظيفية للنصوص الأصلية والغايات المختلفة منها ومن الترجمة، ولا تلتفت إلى التغيرات والتحولات التي تطرأ على لغة المصدر ، وذلك بما يكفل عدم المساس بالأعراف والاصطلاحات المتعارف عليها في اللغة الهدف.





      جميع حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف2004



      * أستاذ الترجمة والتواصل التقني في جامعات ملبورن ـ أستراليا، ومؤلف وكاتب تقني.



      --------------------------------------------------------------------------------

      * أستاذ الترجمة والتواصل التقني في جامعات ملبورن ـ أستراليا، ومؤلف وكاتب تقني.
      د/ محمد عمر أمطوش

      تعليق

      • amattouch
        عضو منتسب
        • May 2006
        • 971

        #4
        الدكتور علي درويش

        المنطق اللغوي في العربية المعاصرة

        تحت أجنحة القطا وتحدي قوانين الطبيعة:
        اختفاء الوعي والسليقة

        يعتري المنطق اللغوي في العربية المعاصرة خللٌ وعيبٌ فاضحان ويشوبه اضطراب يتجاوز الفكر النقدي عند المثقفين العرب، الذين إن أنتجوا الكلام وأبدعوا فيه نقلوه في الأغلب جملة وتفصيلاً عن نصوص وقراءات أجنبية، إما من خلال ترجمات مباشرة حرفية أو من خلال نصوص مترجمة جاهزة. فإن تلقوه من منتجيه ومبدعيه تلقفوه ولم يعيروا سلامة منطقه أي اهتمام ولم يخضعوه للملكة والسليقة اللغوية. وهذه الظاهرة المتفشية في العربية المعاصرة بحكم الترجمة والاستيراد الفكري بقوالبه اللغوية الأصلية يظهر مدى الوعي عند المفكرين والأدباء والكتاب والإعلاميين والمترجمين العرب، بل غيابه عند معظمهم في القرن الحادي والعشرين.

        بالمقارنة، لا نجد مبدعاً إنجليزيَّ اللغةِ، سواء أكان بريطانياً أم أميركيا أو أسترالياً، يلجأ إلى أطر فكرية خارجة عن بيئته ليعبر عن ذاته ووجدانه وفكره. فإن عرض له ما يخالف منطقه اللغوي من خلال قراءات مترجمة لا تستوفي شروطها البيانية وأنماطها البلاغية أخضعه للرقابة الذاتية اللغوية والمرشح الحضاري لكي يكيفه ويطبعه بما ينسجم مع سليقته وفطرته ومنظوره الحضاري. فعلى سبيل المثال، عقب قمة وزراء الخارجية العرب في شرم الشيخ في تشرين الأول/أكتوبر عام 2000، صرح عمرو موسى، وزير الخارجية المصري آنذاك، قائلاً: موقف الدول العربية من إسرائيل واضح. فقام الترجمان العربي بنقل كلامه إلى الإنجليزية كالآتي:

        The attitude of the Arab countries towards Israel is clear.

        وعند نقل الخبر إلى المشاهد الغربي، قام مراسل الشبكة الإعلامية الأميركية، سي إن إن (CNN)، بتصحيح الجملة بشكل عفوي وبديهي كالآتي:

        The Arab countries’ position towards Israel is clear.

        فقد حكم عليه منطق اللغة الإنجليزية وسليقته الفكرية بأن يميز بين (attitude) و (position) والفرق في استعمالهما. وسأترك لك أيها القارئ الكريم أن تتحرى الفرق بينهما في مصادر اللغة، إن لم يكن ذلك ظاهراً لديك بداهة، لضيق المجال هنا وكيلا يتحول الأمر إلى درس في اللغة الإنجليزية.

        أما العرب المحدَثون، فمن الواضح أن السليقة تخونهم في نواحٍ كثيرة من الاستعمالات اللغوية والجوانب المنطقية المتعلقة باللغة العربية، وبخاصة فيما يتعلق بالمترجم منها، رغم أنهم كثيراً ما يهللون لكل أجنبي يتفوه بكلمات عربية، وكأن تعلم اللغات أضحى شيئاً غريباً عجيباً على الناطقين بالضاد وإتقانُ أجنبي للعربية معجزةً من معجزات العصر، تفتر لها ثغور العرب، لا سيما الإعلاميون منهم، ويسيل لعابهم لرؤية شابة أو شاب يتحدث اللغة العربية بشيء من التمكن والبراعة والطلاقة. وربما يحتاج هذا الأمر إلى شاهد عِـيـَــان [1]!

        ويعزون كل ما يخالف المنطق اللغوي إلى التجديد والتحديث في اللغة والحداثة والعولمة، سواء أكان ذلك في المجالات العامة والسياسة والصحافة والإعلام، أم في الأدب والشعر والفنون. وقد يوفق الكاتب أحياناً لغرابة التعبير المقترض واستهلاك المادة اللغوية الأصلية المحلية واجترارها في غياب الإبداع الفعلي فيها، فتلقى تلك المادة الجديدة صدى عند السامع الذي صار يأنف من العبارات المبتذلة والقوالب المصبوبة، ويمل من الكلمات المتحجرة التي تكاد تفقد وقعها ومعانيها مع تقادم العصور واختلاف البيئات والمناظير الثقافية وربما الحضارية. ويكون التجديد من خلال الاقتراض أشد وقعاً إذا كان من مصادر لغوية جديدة لم يعهدها العرب كالروسية واليابانية والصينية ولغات أوربا الشرقية سابقاً. فمن حسنات الأوضاع المتردية الاجتماعية والسياسية والتربوية والتعليمية في الوطن العربي الكبير لا الأكبر [2]

        - لأن الجامعة العربية، خلافاً لمشروع الشرق الأوسط الأكبر القابل للتكبير والتصغير، حسب مشيئة أصحابه ونزواتهم ومطامعهم ومخططاتهم، لا تنوي توسيعه بقبول عضوية بلدان جديدة تستدرك فجأة أنها عربية الانتماء أو الأطماع، إذ أنه بلغ غاية المنتهى، بل أنه بدأ ينحسر وينقبض على ذاته وينفجر أو يكاد، وبدأ أعضاؤه ينصرفون عنه ويهجرونه كما تفعل الجرذان والفئران عندما تبدأ السفينة بالغرق، عملاً بمبدأ يا ربِ نفسي ومن بعدي الطوفان، بحجة تقليص الخسارة والضرر. فوطننا العربي، وللأسف، سفينة متهرئة مضعضعة البيان بلا ربان، سيست فساست فضلت سبيلها في خضم الأمواج السياسية المتلاطمة، والتيارات الفكرية المتضاربة، والقوى الدولية والإقليمية المتناحرة، والرياح الاجتماعية والحضارية العاتية، فارتطمت بصخور الواقع الأليم، وبدأت تغرق في بحر من الظلمات، حتى راح بعضهم ينادي بالاستسلام للأمر الواقع والاستمتاع بالاغتصاب طلباً للنجاة ودرءاً لموت محتمل - ومن يتهيب صعود الجبال يعشْ أبد الدهر بين الحفر، أو لعله يختفي في واحدة منها كالخُلد والمناجذ. "وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ". فكيف يكون لك ولمن يأتي من بعدك؟ وكما قال الشاعر:

        فلما رأتْ صبري على الذُّل ذلّتِ
        وكانت على الأيـامِ نفسي عزيـزةً

        فقـد كانتِ الدُّنيـا لنـــــَا ثُـمَّ ولّـتِ
        فقلتُ لها يا نفـــسُ موتي كريـمةً


        نعم، إن من حسنات الأوضاع المتردية أنها أجبرت بعض أبنائه على الهجرة المؤقتة أو للأسف الدائمة إلى بلدان كثيرة في العالم، منها بلدان ما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي، بمنح حكومية وحزبية وهبات خيرية وغير ذلك من إغداقات وخلع - اللهم إلا من قلّ حظه منهم أو ربما كثر فغادر أوطانه سباحة أو شق طريقه في دروب الآلام والمعاناة بكد وشرف بلا منة أو امتنان. وطوبى لمن قَرَض الدنيا قَرْضاً، فأوطانه بتعفناتها ونظمها الطائفية والمذهبية والعشائرية والقبلية والإقطاعية والدكاكينية والمزرعية، وغيرها من التصنيفات المتهرئة والمتعفنة والمريضة التي لا توجد في مكان آخر في العالم، والتي تفرز الناس كالغنم، لم تعطه الكثير ولم تمنحه فرصة رد الجميل - فتعلم هؤلاء لغات جديدة نوّعت مصادر الاقتباس والاقتراض والمناظير الفكرية، وأحدثت تجديداً طبيعياً لغرابة وطرافة التعابير المقترضة وجدّتها. وما يؤخذ منها اليوم لم تألفه العربية بعدُ بقوالبه الجامدة وترجمته الحرفية المباشرة، وما يزال له طرافته ووقعه الجميل في النفس، إلى أن تتكشف مصادره ويكثر اجتراره ويتم إخضاعه للمنطق اللغوي، فإما أن يكتب له القبول والبقاء أو يحكم عليه بالزوال، فيُهمل ويُسقط من المادة اللغوية.

        ومن الأمثلة على الاقتراض من المصادر المعجمية الأجنبية التعريفية لعجز فاضح عند العرب والمستعربين تعبير قبـــول الآخــر، وعليك أن تنطق بها بصوت جهوري وتشدد أواخر الحروف كالخروف [3]، كما يفعل جهابذة نشرات الأخبار في وسائل الإعلام العربي، فكأن الواحد منهم مصاب بمغص معوي أو إمساك ، حتى تستسيغها وتروق لك موسيقاها ويحلو لك جرسها. وهذا اللفظ هو عنوان كتاب لمفكر عربي نال منذ سنوات جائزة دولية من الأمم المتحدة التي تعمل على مبدأ الحصص القومية والفتات الموسمي. وما هو في الواقع إلا ترجمة للفظ (tolerance). فعلى حد قول مفكرنا الكبير، لم يجد في طول وعرض وعمق اللغة العربية التي تتجاوز مفرداتها سبعين ألف مادة باستثناء مشتقاتها، ولا في لهجاتها العامية، كلمة واحدة تعبر عن اللفظ الإنجليزي والمفهوم الإنساني العام الذي يبدو وكأنه قد دخل الفكر العربي لأول مرة منذ نشأة المجتمع العربي الأول. فلا الرحابة ولا السماحة ولا سعة الصدر، وفّت على حد قوله، إن خطرت بباله أصلاً، ذاك المفهوم حقه واستوفت أبعاده المعنوية والفلسفية والاجتماعية. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. فراح يبحث في بطون المعاجم الأحادية الأجنبية والثنائية، على طريقة هومر سيمسون في البحث والتنقيب، ويعصر ما تبقى من المادة الرمادية، ليجد ضالته في تعريف إنجليزي للفظ في بيئته اللغوية الأصلية. أفلا يستحق جائزة نوبل ونوفل ودعجان بن نعسان على هذا الجهد الرائع والبحث العلمي الباهر؟ وليكن دنوك من الناس ليناً ورحمة.

        المفكرون العرب، وهناك طائفة منهم، في هذا الزمن الذي تجاوز كل وصف رديء، استيقظت ذات صباح وقررت أن تتخذ التفكير مهنة ولقباً لها، فهم يفكرون وغيرهم لا يفكر، يؤسسون لهذا ويؤسسون لذاك. وفي رأيهم أن هذا الكاتب يؤسس لهذا المفهوم وذاك النهج وتلك المنهجية ترجمة لـ (lay the foundation for)، مما يتكرر في لغة الأكاديميين ولغطهم. وما يؤسسون إلا خراباً لغويا وخللاً منطقياً وبلبلة فكرية. ثم يوظفون هذا المفهوم وتلك النظرية ترجمة لـ (employ). وشاعت تلك الأخيرة بين المثقفين في العقد الأخير من الزمن، ولم ينجُ منها حتى علماء اللغة، علماً بأن التوظيف لغةً واصطلاحاً هو إسناد العمل إلى الشخص، وصار يعني في محدث الاستعمال الاستثمار في أي أمر. ووظَّف الشيءَ على نفسه ووَظّفَه توظِيفاً أَلزمها إياه، نحو: وظَّف المعلمُ على الطالب حِفظَ خمسين بيتاً من الشعر، أي عَيَّن له خمسين بيتاً لحفظها. ولا شك أن التجديد والتغيير سنة الحياة وظاهرة صحية في اللغة والمجتمع الذي يتفاعل مع واقعه ويستجيب له بوسائل تعبير مبتكرة. ولكن التجديد الذي يستقي جدته وحداثته ورونقه وقوالبه من مصادر لغوية أجنبية، إنجليزية وفرنسية أو غيرهما، تتبلور إبداعاتها أو بدعها من خلال تفاعلات مع نصوص أجنبية لا تمت إلى الواقع العربي أو المنظور الحضاري للعرب بصلة كبيرة ولا تتأتى بأشكالها المختلفة إلا بمقدار قدرة أولئك المفكرين والمستفكرين على الترجمة. وما على وسائل الإعلام سوى أن تكررها كالببغاوات الحمقاء حتى تصبح معياراً ومقياساً للأغرار من كتبة ومترجمين وطلاب، فيكثر اللغو واللغط والغلط.

        وذاك مفكر يطبق مفهوم الشمولية فيصدح بكلام عن المشاهد والمشاهدة والمواطن والمواطنة، ويكثر من التأتأة الفكرية والتأرجح اللغوي اللذين يصرفان السامع عن فحوى الكلام ومغزاه، تيمناً بالطريقة الحديثة في اللغة الإنجليزية. ولا نعيب هذا الاستعمال على هذا المفكر، الذي يخالف بآرائه الكثيرة إجماع الجهلة في الانبطاح والاستلاب، فهو يعيش في بلد أجنبي. أما أن نرى النهج ذاته من أناس متخصصين وعاملين في الترجمة والإعلام وقائمين على شؤونها وشؤون اللغة العربية في جمعيات ومنتديات هلامية في مواطنها الأصلية، تشبها وتشبباً بالأساليب الإنشائية واللغوية الإنجليزية، فهذا أمر مخجل ومعيب جداً ولا عذر فيه ولا معذرة، ولا مبرر له ولا تبرير ، لأنه يسخّف قضية المرأة من جهة ويخالف قوانين ضبط الكلام ضبطاً واضحاً في اللغة العربية من جهة أخرى، ناهيك عن خرقه لمبدأ الاقتصاد والإيجاز الذي تقوم عليه اللغات الحية كافة.

        لقد انتقدت إحدى الباحثات اللغويات السويديات منذ عهد أساليب الإنشاء العربي في معرض تقويمها، بل تثمينها كما يحلو لبعضهم أن يقول في السياسة والإعلام، في آخر الصرعات (à la mode)¡ لأعمال الروائي المصري نجيب محفوظ، مدعية أن الكتاب العرب يعتمدون عطف التكافؤ في تداعي الأفكار وربط الجمل وإحكامها. وقامت بتحليل اللغة العربية من منظور أجنبي ومن خلال ترجمات حرفية عوراء رعناء في الإنجليزية، فأخذت على العرب الإكثار من حروف العطف، فلم تدرك طبيعة التعاطف الإنشائي في اللغة العربية ، وطرائق ترابط الجمل وتماسكها، وأن لتلك الحروف وظائف لا تنحصر في ما يسمى بالإنجليزية بـ (coordination). والتزام المترجمين من العربية إلى اللغات الأخرى بحرفية الأدوات، دون وعي ومراعاة لطبيعة تلك الحروف ووظائفها ومعانيها يعطى قارئ الترجمة، وباحثتنا، انطباعاً بأن اللغة العربية لغة متخلفة بمقاييس الإنشاء الإنجليزي تحديداً. فيسارع الكتّاب والباحثون العرب بلهفة إلى تبني نظرياتها وتطبيقها في كتاباتهم، إكراماً لمحاضرة أجنبية مستوردة من جامعات أوربا، لا تعرف من العربية إلا أذن الجمل بل ذيله. وحتى في برامج التدقيق اللغوي في الصائغات العربية، أو ما يعرف بمعالجات النصوص والنشر المكتبي، فإنك تجد قواعد ضبط الإنشاء الإنجليزي تطبق على اللغة العربية، لاسيما قاعدة الابتداء بـ (and). ومن الطريف أن تلك البرامج تظهر آيات القرآن وغيرها من النصوص المقدسة والتراث الأدبي بأنها خطأ لغوي. فهنيئاً لقوم استرسلوا في الاستيراد والاتجار بهويتهم اللغوية. فقد ضنّوا على أنفسهم حتى بلغتهم فظنوا أنهم يواكبون التقدم فضنّوا [4] وما برحوا مكانهم.

        عندما قال الشاعر: اذهب عميقاً في دمي! استيقظ الحس الوطني والحمية القومية والسليقة اللغوية عند العرب كلهم من المحيط إلى الخليج، فتقبلوا ذاك التعبير الركيك الذي يخلو من الفصاحة والبلاغة وأخذوه عن صاحب ريتا دون اعتراض. ولم يجرؤ أحد في بلاد صاغرة ذليلة مستلبة أن يقف عند هذا التعبير ويحلله بشيء من الفطرة اللغوية. وصارت القصيدة أغنية ونشيداً له رذمه وإيقاعه. وفي الواقع فإن هذه الصورة ليست سوى ترجمة حرفية للتعبير الإنجليزي (go or run deep in my blood) لا يدركه إلا من يعرف مصادر الكلم. قبل تلك القصيدة كان الشيء يتوغل في الدم ويتأصل في النَّفْسِ، ويخرج في كل نَفَس. ثم صار يذهب عميقاً في لزوجة الدم فيغرق فيه ولا يجد أساً أو أساساً لغوياً لذلك فيذهب دَرَجَ الرياح، ودون رجعة، أو يكاد!

        وها هو الشاعر ينشد مرة أخرى "في بلادي، وهي الفقيرة مثل أجنحة القطا..." (ناصباً مثل لأمر ما)، فيصفق له المستمعون وتميد القاعة بالحضور، فكأنما ألقى عليهم سحر قرون منكسرة من الفصاحة والبلاغة فغيّبهم في نشوة كلمات لا تعني شيئاً كثيرا عند إخضاعها للتحليل النقدي والتدقيق المنطقي. فيسارع المراسلون والصحفيون، ويتهافت المتهافتون، ويتملق المتملقون، ويداهن المداهنون، ويتدافع المتدافعون إلى الإخبار عن ردود الأفعال، وهو في الواقع فعل واحد بسيط يفتقر إلى المنطق اللغوي السليم. ولا شك أن للشاعر ما ليس لغيره من الحقوق والجوازات ووثائق السفر التي يخرق بها قوانين اللغة والطبيعة وحواجز المنطق وحدود البيان: وطني حقيبة، وطائرة، وزورق، وأغنية سليبة، وعصفور، وسيجارةٌ عاشقةٌ بلا عقب، ولاجئ بلا هوية، وفندق في البندقية، وفنجان قهوة في الأزبكية، وطني حقيبة وشمسية، وجواز سفر... إلى غير ذلك من سفسطة... ليحدث رد فعل في نفس القارئ، وذلك من خلال استخدام التشبيه والاستعارة والمجاز وغيرها من الأساليب البيانية والبديعية. ولكن هل سأل أحدكم كيف تكون أجنحة القطا فقيرة قبل أن ينتشي في سكرته ويغيب في غيبوبته؟ وكيف تكون البلاد فقيرة مثلها؟ وكيف يستقيم التشبيه بين البلاد الفقيرة والأجنحة الفقيرة؟

        إن من شروط التشبيه البليغ أن ينقل القارئ من الشيء نفسه إلى شيء آخر طريف يشبهه أو صورة بارعة تمثله، فيبالغ في وصفه لقرينة منطقية وعلاقة بين المشبه والمشبه به. وكما يذكرنا الهاشمي في كتابه (جواهر البلاغة) ، فكلما كان هذا الانتقال بعيداً، لا يخطر في البال فوراً، أو كان ممتزجاً بقليل أو كثير من الخيال، كان التشبيه أروع في النفس، وأدعى إلى إعجابها واهتزازها، لما هو متأصل في الطبع البشري من أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له والاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى، ووقعه في النفس أجل وألطف. فتتجلى براعة الأديب أو الشاعر في عقد المشابهة بين حالتين يكون وجه الشبه فيهما غير ظاهر بداهة ولكن يفهم بعد إعمال الفكر فيه، فإن أدركه فجأة بعد إمساك كان أبلغ وأجمل. والغرض من التشبيه البليغ هو الإيضاح والبيان بعد إبهام. وتكمن قوته في وضوح الدلالة، وإن بعد جهد ولأي. وإلا فما فائدة التشبيه إذ استغلق على القارئ وتجاوز إدراك السامع لافتقاره إلى العلاقة ووجه الشبه... اللهم إلاّ إذا كان لا يريد للقارئ أن يسبر غور بلاغته وفصاحته وغرابة رموزه. فما هو وجه الشبه بين البلاد الفقيرة وأجنحة القطا؟

        إن القطا هو نوعٌ من اليمام يشبه الحمام، يُؤْثِرُ الحياةَ في الصحراء، ويطير جماعاتٍ وأسرابا، ويقطع مسافاتٍ شاسعة، ويُضرب به المثل في الهداية، نحو قولهم أهدى من قطاة، وهي الواحدة من القطا. فلو حملنا إيثار الحياة في الصحراء وجهاً للتشبيه لوجدنا مشكلة أخرى في الدلالة. فشاعرنا لم يقل في بلادي وهي الفقيرة مثل القطا، بل أجنحة القطا. وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال: هل هو فقر في الألوان؟ فإذا كان الأمر كذلك فكيف تكون بلادي فقيرة وهي الغنية بصخب الحياة وألوانها، بل بدماء شهدائها وأشلائهم وأرواحهم؟ فإن حملنا الفقر على أنه زهد في الدنيا وتنسك لم نجد وجه الشبه بين البلاد الفقيرة والأجنحة الفقيرة. فكيف تكون الأجنحة الفقيرة زاهدة في الدنيا وقد لبس القطا ثوب العيش لم يُستشر؟

        نحن هنا لا نتعرض للشاعر العظيم، فهو حر فيما يكتب ويختار من كلام. بل نتساءل عن السامع أو القارئ الذي يتلقى الكلام فيتفاعل معه دون أن يسأل نفسه لماذا؟ وهنا العيب الأكبر. فلطالما سمعنا في مجالات كثيرة تعابير تفتقر إلى المنطق يرددها المرددون بل ويعنتون في استعمالها حمقاً وجهلاً وصلفاً وكبرياء، يتلقفها السامع وكأن الدر يخرج من أفواههم. ومنها ردود الأفعال التي تخالف قوانين الطبيعة ومنطق اللغة. إذ أن لكل فعل رد فعل أو ردود فعل في أوضاع مختلفة. فإن أطلقنا هذا القانون على أمور أخرى من الحياة لوجدنا أن هناك رد فعل وردود فعل، نحو: كان للعرب ردودُ فعلٍ مختلفةٌ تجاه اعتقالِ الرئيسِ العراقي السابقِ صدام حسين. فالاعتقال فعل واحد ومواقفُ الناس منه المتعددةُ هي ردود عليه. وقد يختلط الأمر على معظمهم ظناً منهم أن رد الفعل هو فعل الرد. فالرد هو فعلٌ لفعلِ. وهذا بالطبع ليس هو المقصود. بل هو كما عرضنا في مكان آخر، ترجمة سيئة مغلوطة للفظ الإنجليزي (reactions) لعدم دراية المترجم بشروط الاشتقاق في اللغة الإنجليزية وما يقابلها من شروط في اللغة العربية.

        ويكثر في الآونة الأخيرة استعمال التعبير (عدد الضحايا مرشح للارتفاع). ويتكرر على ألسن المراسلين والمذيعين والصحفيين وغيرهم من إعلاميين ومفكرين. ولو نظرنا إلى معنى (رَشَّح) لوجدنا الآتي:

        رَشَّحَ يُرَشِّحُ تَرْشِيحاً فلاناً: رَبَّاه ونَمَّاه؛ نحو رَشَّح الوالدُ وَلَده، يفيد الخير. ورشَحَّهٌ للشيْءِ: أَهَّلَه له وأعدَّه؛ ورشَّح فلاناً لوظيفةٍ ما: زكَّاه لها؛ ورشّحت الأمُ ولدَها : عوَّدته المشيَ؛ ورشّحَ السَّائلَ: فَصلَ الأجسامَ العالقةَ فيه باستخدام مادة مسامِّية تسمح للسائل بالنفاذ خلالها محتجزة الأجسام الصلبة.

        فكيف يمكن لعدد الضحايا أن يكون مُرَشَّحاً للارتفاع؟ فكأن ذاك المراسل اختطف معنى أهّل وأعدّ دون أن ينظر في مضامينه الإيجابية. ولعل الأمر اختلط على أول من استعمله بين مرجح ومرشح، في حالة تعرف في الإنجليزية بـ (malapropism). فذهب مثلاً يقتـدى به. أو لعله مجرد تجديد!

        ويشيـــع في العربيـــة المعاصرة كذلك مصطلح (اللغـــة الكونيـــة)، وهو ترجمـة عـــوراء للمصطلح الإنجليـزي (universal language)، بدلاً من اللغة العالمية، نحو: الإسبرانتو لغة كونية. ولم يسأل ناقل المصطلح إلى العربية فيما إذا كانت هذه اللغة الكونية ستستعمل لمخاطبة أهل المريخ أو كوكب آخر في مجرّة أخرى. بل راح يردده بكل فخر وثقة واعتزاز وحماقة، ودون رقيب ذاتي أو خارجي في مؤسسات ومنظمات على قدر من الإدعاء برفعة المستويات ورقيها، وفي وسائل إعلام أخذت على عاتقها مسؤولية تثقيف الناس وتسييسهم وقولبة أدمغتهم، فأصابها العنت والصلف والغرور، فراح بعضهم يتمرد على المشاهدين ويستهزئ بهم ويتمادى في طغيانه وفرض منهجه ونظرته عليهم. وهذا من أدبيات الذين ينادون بالتخلص من العَسْف والظلم والاستبداد. فهل يعقل أن تكون هناك لغة كونية؟ فالإسبرانتو لغة عالمية غايتها توحيد وسيلة التواصل بين البشر في الأرض وليس مع الجن أو العفاريت في كوكب آخر. ولطالما كان شعار المروجين لتلك اللغة الموضوعة المصطنعة هو عالم واحد ولغة واحدة. فتـتأتى للقارئ الدلالة بأن القصد ليس الكون بل العالم. ومن هذا القبيل القرية الكونية نقلاً مغلوطاً للتعبير الإنجليزي (global village). وينسحب على هذه العبارة الكلام السابق نفسه، فاللفظ (global) مشتق من (globe) وهو الكرة الأرضية، لا الكونية. وسواء أكان القصد من كونية هو ما ينسب إلى الكون، وبخاصّة ما يتصل بتركيبه الفلكي ، والنّظام الكَوْني هو الكَوْنُ، أم كانت النية هي ما ينسب إلى الكينونة، فإن مصطلح القرية الكونية وكذا اللغة الكونية خطأ منطقي وعيب فكري.

        ومن الجديد في الأمثلة على المنطق الأعوج عند العرب المصطلح الجديد "عقيدة بليـر للمجتمع الدولي ترجمة لـ (Blair's 'international community' doctrine). فصاحبنا لم يميز بين المفردات التي سردها له المورد فاختار (عقيدة) بدلاً لـ (مبدأ)، فالعقيدة هي ما يُستوثق به من حكم ثابت ودائم لا يَقبل المعتقِدُ الشكَّ فيه ولا يحيد عنه ، والمبدأ هو القاعدة، وهي الأصلُ والقانونُ والضابط، وهو أمر قابل للتبديل والتعديل والتغيير والإهمال والإسقاط حسب المقتضيات والمتغيرات. وكأنما الوحي قد نزل على طوني (وليس تـوني كما يحلو لبعضهم) بلير كما نزل على غيره من قبله فأوحى له أن يعتنق هذه العقيدة.

        ومنه كذلك التعبير الذي يتردد اليوم كثيراً في وسائل الإعلام على ألسنة الصحفيين والمترجمين، وهو "التقدم إلى الأمام"، ترجمة لـ move forward. ويكمن الخلل المنطقي في هذه الترجمة العوراء الحمقاء في أن التقدم لا يكون إلا باتجاه واحد وهو الأمام. أم أن ذلك الحشو غير المفيد هو زيادة في إيضاح ما هو واضح وضوح الشمس؟ وقس على ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تصيب المرء بالإعياء والغثيان. فكلما نطق هؤلاء بتلك الحماقات اللغوية كلما ثبت ثبوتاً قاطعاً أن هناك خللاً منطقياً مزمناً لا يقبل الجدل في العربية المعاصرة.

        ويُعزى هذا الخلل المنطقي، في جانب كبير من النشاط المعرفي، إلى أمرين متداخلين ومتشابكين لا يمكن فصلهما بسهولة ويسر. الأول، هو نظم تصنيف المفاهيم عند الفرد والمجتمع، في معاجم ثنائية فكرية، أي في ذاكرة الإنسان، وفي المعاجم المادية، أي المطبوعة في الكتب وغيرها من الوسائل المدركة بالحس. فالإنسان الذي يتعلم لغة أخرى يصنف المفاهيم في ذاكرته بحسب مصادرها اللغوية الأجنبية فيقابل ويطابق تبعاً لذلك. وينحصر الأمر في أغلبه في المعاني المعجمية للكلام. ويعزز عمليةَ المقابلةِ والمطابقة المعاجمُ الثنائيةُ التي يعتمدها المرء للتحقق من معاني الكلمات، والتي تضع المعاني في قوالب جامدة لا محيد عنها. وهذا الأمر يصيب نظم التصنيف بالخلل والاضطراب. فلو عدنا إلى المصطلح (universal) لوجدنا الخلل في مطابقته بالكوني لعدم تجاوزه إلى السياق العام. وهذه العلة المستفحلة هي إحدى أسباب التخلف المعرفي والفكري والحضاري والتقني عند الشعوب المتخلفة والمستنمية.

        والثاني هو الترجمة وعيوبها. فقد أصبحت الترجمة عند كثير من المبدعين العرب منهجاً وإطارا فكرياً ومصدراً رئيساً من مصادر الإبداع لضحالة المادة الأصلية عندهم. فقلما تجد من يجدد من واقع البيئة العربية الطبيعية الحالية. فهناك طائفة تستقي مناهجها الفكرية ورموزها اللغوية من التراث القديم فتحسبها ما تزال في القرون الوسطى. وهناك طائفة تتلقف المعارف بلغات أجنبية، سواء أكان ذلك على المقاعد الدراسية، إذ أن كل المعارف والعلوم تُدرس بلغة أجنبية، إنجليزية أم فرنسية، ومن كتب مستوردة، أو من خلال قراءات وبحوث ومطالعات فردية لكتب أجنبية، - والغريب في هذا الأمر الحملة الجديدة المسعورة لتحديث المناهج وزيادة تغريبها، وهي في معظم الدول العربية مورثة ومتوارثة عن الاستعمار البريطاني والفرنسي، لا سيما مناهج الجمهورية الثالثة منها في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، والتي كانت مصممة بالدرجة الأولى لتمكين الأثرياء والنخب الاجتماعية والطغم السياسية من السيطرة على مقدرات الأمة على حساب الوطن والمواطنين والانتماء - فتجدها تترجم ما حفظته وأودعته بواطن الذاكرة بشكل تلقائي يتراءى في الكتابات المختلفة وفي التعابير المقتبسة من تلك المصادر. وهذا الانفصام في الفكر وعملياته الثنائية المشوهة عند العرب يتسبب في نقل تراكيب تخالف المنطق اللغوي، دون وعي وإدراك لأبعاده الحضارية وانعكاساتها السلبية. فهاك شاعرة تقول في كلمات أغنية:

        كم جميلٌ لو بقينا أصدقاء...
        إن كل امرأة تحتاج إلى كف صديق...
        كن صديقي
        هواياتي صغيرة
        واهتماماتي صغيرة
        وطموحي أن أمشي ساعات معك
        تحت المطر
        عندما يذكرني الحزن
        ويبكني الوتر.
        فلماذا تهتم بشكلي ولا تدرك عقلي...
        أنا محتاجة جداً لميناء سلام...
        أنا متعبة من قصص العشق وأخبار الغرام
        فتكلم!
        لماذا تنسى حين تلقاني نصف الكلام
        ليس في الأمر انتقاص للرجولة
        غير أن الشرقي
        لا يرضى بدور غير أدوار البطولات.

        وبغض النظر عن المغزى الاجتماعي للقصيدة التي استبقت عصر الفضائيات والبرامج الساقطة، والرموز الجنسية الغربية فيها ومراميها العاطفية التي تتعارض مع القيم الاجتماعية الشرقية، والسير تحت المطر وليس فيه، وإن أمطرت في الخليج أوحلت فكيف يكون السير في المطر أنشودة العاشقين، ومفهوم (macho man) في أدوار البطولات، والاضطراب في بعض أوزانها لاسيما في آخرها، حيث أجبرت الملحن على تغيير اللحن بشكل درامي، فإن في مطلعها خللاً نحوياً ومنطقياً في ناحيتين: الأولى في اسم الاستفهام المرفوع (كم جميلٌ)، والثانية صيغة الجمع في (أصدقاء). فمن المعروف أن كمْ اسمٌ مبني على السكون يُعَبَّر به عن عدد مُبْهَم القَدْر والجنس ولذلك يحتاج إلى اسم يميزه. وتكون ناصبة للاسم الذي يأتي بعدها، إذا كانت استفهامية للسؤال عن العدد، ويكون مميزها مفرداً منصوباً نحو: كَمْ كتاباً قَرأتَ؟ وخافضةً له إذا كانت خَبَرِيَّةً تدل على عدد كثير ويكون مميزها مجروراً بالإضافة أو بمن مفرداً أو جمعاً، نحو: كم من شهيدٍ قضى في سبيل الوطن.

        واعتمدت الشاعرة كذلك صيغة الجمع بدلاً من صيغة المثنى... لضرورات شعرية تأرجحت بين العامية والاقتباس المستهتر من الإنجليزية. فمعظم المثقفين العرب، لا سيما الذين درسوا في جامعات أجنبية، بريطانية وأميركية بشكل خاص، يتخاطبون باللغة الإنجليزية، بل ويستخدمونها أداة للتفكير والتعبير في مناحٍ كثيرة من حياتهم. فلو تأملت تلك النخب واستمعت إلى أحاديثهم لصعب عليك أن تفرز الألفاظ العربية عن الألفاظ الأجنبية، التي تتكرر كاللازمة الموسيقية وهذا (wishful thinking) كما يردد الآن في فضائيات "البسيه واشلحيه"! فتعطي صاحبها شعوراً بالتفوق الحضاري والتعقيد الاجتماعي. ولطالما ظننت أن هذه الظاهرة منحصرة في المجتمعات الاغترابية بحكم البيئة اللغوية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والمهنية المؤثرة، والتي تجبر المقيم في تلك المجتمعات على تبني لغة البلد المضيف شيئاً فشيئاً فتتأثر لغة أمه ولسان أبيه ويشوب كلامه ألفاظ وتعابير أجنبية بألفاظها الأصلية أو بترسم معالمها وتضاريسها وخطوطها الكفافية. واسأل مجرباً قضى معظم حياته في الغرب. ولكن يبدو أن العرب في بيئتهم الطبيعية أشد تأثراً باللغات الأجنبية، وأقل حفاظاً على لغة آبائهم وأمهاتهم، اللهم إلا إذا كن أجنبيات and there is nothing wrong with that!

        من الجائز أن الشاعرة استلهمت مطلع القصيدة من العبارة الإنجليزية (how nice if we could stay or remain friends…) التي تكون قد سمعتها أو استخدمتها في موقف أوحى لها بالقصيدة. فهذه بالطبع آلية الوحي الشعري وغيره. وهكذا، نجد أن التعبير "كم جميلٌُ لو بقينا أصدقاء" مخالف لهاتين القاعدتين الأصليتين في اللغة العربية، وذلك كما أسلفنا بحكم التبعية اللغوية للمصادر التي جاءت منها تلك الإيحاءات، ويخالف طريقة العرب في التمني والتعجب والرجاء، نحو: ما أجمل أن نبقى صديقين!

        والمؤسف أن تلك القصيدة بعيبها اللغوي ومنطقها المختل صارت أغنية يرددها الناشئة في جملة التطبيع والتطويع. ويُذكر هنا كيف كان الموسيقار العبقري محمد عبد الوهاب يغير ويبدل بل ويعيد هندسة القصائد إذا كان فيها خلل أو عيب أو شائبة. فعندما لحن قصيدة الشاعر إيليا أبو ماضي (جئت) والتي جاء مطلعها كالآتي:

        جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
        ووجـدت طـريقاً قــــدامي فمشيت.

        أبدل قدامي بأمامي فجاءت الأغنية سلسة متناغمة قريبة إلى نفس السامع. ويُظهر هذا المثل لنا حيوية الفنان ووعيه بل قدرته على التعامل بإبداع مع المادة الفنية. وفَعَلَ الشيءَ ذاته في إخراجه لترجمة الشاعر أحمد رامي لرباعيات عمر الخيام.

        سمعت صوتًا هاتفًا في السحر
        نادى من الحانِ غفاة البشر
        هبُّوا املأوا كأس الطلا
        قبل أن تُفْعِم كأس العمر كفُّ القدر!

        فأبدل لفظ الحان بالغيب والطلا بالمنى وتُفْعِم بتملأ، فجاءت كلمات الأغنية كالآتي:

        سمعت صوتًا هاتفًا في السحر
        نادى من الغيبِ غفاة البشر
        هبُّوا املأوا كأس المنى
        قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُّ القدر!

        وفي معرض الحملة لتحديث وتبسيط وتسهيل اللغة العربية ونحوها وقواعدها، التي كانت بلغت ذروتها في مطلع السبعينات، سارع أحد الباحثين وعلماء اللغة في لبنان إلى شن هجوم على اللغة العربية واصفاً إياها بأنها لغة ضرب وقتل وعنف، مستشهداً بعدد قليل من التعابير الاصطلاحية نحو: ضرب به عرض الحائط ولنضرب لك مثلاً. ولم أجد ناطقاً واحد باللغة الإنجليزية يعيب عليها تعابير اصطلاحية مشابهة فيصفها بأنها لغة ضرب وعنف. ومنها على سبيل المثال لا الحصر الآتي:

        Hit it big
        Hit it off
        Hit the books
        Hit the bottle
        Hit the hay
        Hit the jackpot
        Hit the road
        Hit the roof
        Hit the sack
        Hit the spot
        Strike a balance
        Strike a deal
        Strike a match
        Strike down
        Strike hands
        Strike it lucky
        Strike it rich
        Strike out
        Strike up

        ويتضح لنا عند التحليل والتدقيق كيف يسارع العرب إلى التخلي عن لغتهم ، وتظهر لنا النفسية المتخاذلة والضائعة والتائهة عند أغلبهم والتي تبني، ولا تؤسس، على معرفة مجتزأة وقواعد واهية وتطلعات واهمة. ولا ريبة أن ثمة تصلباً وتحجراً في الآراء والمواقف وتحاملاً على اللغة العربية بحجة التجديد والتحديث والعولمة. وما هو في الواقع سوى غطاء صغير يستر العجز اللغوي والمنطقي الكبير، فلا يكاد يخفي منه إلا النزر اليسير. وعلى ضوء ما تقدم فإن الترجمة من العربية المعاصرة إلى الإنجليزية من الأمور التي لا تشكل عائقاً كبيراً إذا كان المترجم على دراية بمصادر الكلام. فما يكتب وما يسمع فيها لا يتجاوز التراكيب والتعابير الأصلية والمنطق اللغوي لتلك المصادر والذي يخالف كما رأينا منطق اللغة العربية. وقد يكون هذا جَسْراً للهوة الحضارية، كما يحلو لبعض المساكين أن يترجم (bridge the gap)، ولكنها تبقى فاغرة فاهاً. ولا يسمع منها إلا ثغاء ورغاء.

        [1] العِيـــَان : مصـ. عَايَنَ يُعَايِنُ مُعَايَنَةً وعِيَاناً: الرؤية بالعَيْن؛ لقيته عياناً، ومنها شاهدُ عِيان، بكسر العين لا فتحها، وتخفيف الياء لا تشديدها كما يشيع في الإعلام العربي المعاصر.

        [2] للوقوف على الفرق انظر المقال أزمة الترجمة والرقابة الذاتية في الفضائيات العربية ومدرسة الإعلام العربي الجديدة، (2004)، للمؤلف.

        [3] يُعزى هذا العيب في النطق أحياناً إلى عدم تمكن المرء من قواعد اللغة فلا تأتيه طوع الخاطر. لذا يلجأ إلى مط الكلام ليعطي نفسه فرصة لاستدراك الحالة النحوية فيما إذا كانت رفعاً أم نصباً أم جراً. وقد يكون سببه المفهوم المغلوط بأن على المذيع أن يظهر أواخر الكلمات للوضوح، تبعاً للمدرسة الإعلامية الأجنبية، فيلتبس عليهم الفرق بين الإيضاح والتشديد والمط والمغط والاستطالة. فيخففون ما يجب تضخيمه ويضخمون ما يجب تخفيفه، ويخلطون بين الإظهار والإخفاء والإدغام والإقلاب. يحكى أن رجلاً دخل مسجداً يوم الجمعة في تركيا. فتقدم يشكر الإمام على خطبته الجيدة وتجرأ أن يلفت نظره إلى أنه ضخم اللام في لفظ الجلالة وخفف الطاء في الشيطان، في أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فنهره الإمام التركي قائلاً: "فالان ديديم! آنتمو الأربو تدخمونى الشيتان وطخافيفون الآآآه." ولا يبتعد هؤلاء العرب عن صاحبنا التركي في بعض تلفظهم للأصوات العربية.

        [4] لمن يريد التعمق: ضَنَّ يَضَنُّ اِضْنَنْ ضَنّا وضَنَانَةً: بَخِلَ وبَخُلَ، وضَنَّ بالمكانِ ونحوه: لم يبرحْه وبقي فيه.



        علي درويش


        --------------------------------------------------------------------------------
        د/ محمد عمر أمطوش

        تعليق

        • amattouch
          عضو منتسب
          • May 2006
          • 971

          #5
          الدكتور علي درويش

          الإنـترنـت وأدب الاســتبـاحـة:
          أثــرهما في توثيق المعـــارف المترجمـة إلى العربية فـي عصـر العولـمـة والمسكـنة



          بقلم علي درويش[*]




          يشهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تطوراً مطرداً في تقنيات المعلومات والاتصالات، ويتزايد الاعتماد بشكل كبير على شبكة الإنترنت في أنحاء كثيرة من العالم كمصدر رئيسٍ للمعلومات الحية والمباشرة والمهمة، فيما أصبح يعرف إجمالاً بعصر العولمة من جهة والمسكنة من جهة أخرى. إذ يقوم التواصل في هذا العصر بشكل أساسٍ على شبكات الاتصالات الساتلية[1] واللاسلكية والفضائيات التلفازية والإنترنت، لنشر المعارف والعلوم وآخر مستجدات العصر ، حيثما كان جهاز حاسوب أو هاتفٌ نقال، وصارت عبارة (القرية العالمية) تطلق مجازاً وجزافاً على الكرة الأرضية ، فيرددها المرددون ، لا سيما المترجمون ، نظراً لتقلص الرقعة الجغرافية وانهيار الحدود والحواجز والسدود المصطنعة أو يكاد بين الدول والشعوب والأمم. ولم يعد تبادل المعلومات والفِكَرِ والمعارف أمراً يقتصر على النخب ، بل أضحى في متناول الجميع ، أينما توافر خط اتصال.

          بيد أن هذا الانفتاح التواصلي بين البشر يصاحبه انهيار عالمي ملحوظ في المعايير والمقاييس الفكرية والاجتماعية والإدارية وتردٍ في مستويات الأداء والإنتاج والعمل وغيرها ، في حالة يمكن وصفها (لا توصيفها ، كما يحلو لبعضهم أن يقول)[2] بعصر المسكنة، أو كما يقول المثلُ اللبناني (خُد إيدك والحقني). إذ يندر اليوم من يسعى إلى إنجاز عمل أو إنتاج منتج يتسم بالجودة والكمال. فمعظم المنخرطين في الأعمال والتصنيع والتجارة وما إليها من أنشطة لا يعير انتباهاً إلا لمقدار الربح الذي قد يجنيه من عمله والفائدة المادية والمعنوية الآنية التي قد تعود عليه من مجرد الخوض مع الخائضين والقول مع القائلين. فتجد أصحاب الشأن أينما وجدوا منهمكين في التظاهر بأنهم يعملون وهم لا يعملون ، أو منشغلين في مهنة التظاهر بالقيام بالمهنة، في سوق استهلاكية تستهلك الجهد والمال والمستقبل . فيصبح لكل أمر أجلٌ مسمى وصلاحية محدودةٌ تنتهي بإصدار منتج جديد أو نسخة مجددة ، سواء أكان ذلك برنامج حاسوب أو مكنسة كهربائية أو قطعة غيار في محرك سيارة ، وهكذا دواليك. فقد انقضى عهد الجودة وولى زمن البحث عن الكمال ، في أواخر التسعينات ، الذي كان من دوافعه وحوافزه الالتزام بمعايير منظمة المقاييس الدولية بغية الحصول على الأعمال الكبيرة من الحكومات والمؤسسات الرسمية والخاصة. فتجد الشركات الكبرى والصغرى وما بينها تقلص أعداد الموظفين وتسرح العاملين وتبقي على الأغبياء والعاطلين والمنتفعين والمتملقين وضروب أخرى من الطفيليات ، في عمليات تحجيم تقليصي وتحجيم مناسب ، وإعادة التنظيم والهيكلية وغيرها من المصطلحات والتعابير المبهرجة التي يبدعها المبدعون في الإدارة والأعمال.

          وهكذا يزداد اليوم، بعدما ثَبِطَت الهممُ وفترت العزائم ، التركيزُ في البلدان النامية بل المستنمية ، التي تدور في فلك التبعية والتقليد ، على المؤهلات الشكلية والأوراق الفارغة من أي محتوى فكري أو علمي ، وذلك كصِمَامِ أمان في حال انفجار الوضع في وجه أرباب العمل ومن يقوم بتوظيف هؤلاء الناس ، الذين إن تلقوا العلم في الخارج على أيدي محاضرين من الدرجة العاشرة وربما الخمسين في الأغلب ، في جامعات ومعاهد هَمُّها الأوحد تحقيقُ مكاسبَ ماديةٍ باجتذاب أكبر عدد ممكن من الطلاب الأجانب ، أو في أوطانهم من أساتذة ومعلمين مستلبين فكرياً واجتماعياً ومنبطحين ثقافياً ومنبهرين حضارياً، ولا يعرفون سوى ترداد ما تعلموه من هؤلاء القيمين على تعليمهم وتثقفيهم وإعدادهم للريادة والقيادة والتبعية ، فاعتنقوه مذهباً واتخذوه منهجاً فلا يعرفون غيره ولا يحيدون عنه ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث والتنقيب ومشقة الإحاطة بتراثهم الفكري والحضاري واللغوي، في حالة أقرب ما تكون إلى الاستغراب والاستلاب والإنكار من أي شيء آخر.

          ومع سهولة النشر الإلكتروني وانهيار المعايير اللغوية والفكرية والقيم الاجتماعية والنفسية ، يواجه المرء غزارةً في الإنتاج وضحالةً في المادة الفكرية والإبداعية واجتراراً للمفاهيم والمناهج ، بصيغ وحلل جديدة وأسماء مستحدثة . وتصبح الإنترنت بلا مبالغة مزبلة يكثر غثها ويقل سمينها. وهنا الأمر الجلل. ففي ظل هذه الأوضاع ، تتخذ الترجمة في البلدان النامية أو المستنمية طابعاً جديداً يعتمد اعتماداً كلياً أو يكاد على مصادر مختلفة من الإنترنت مشكوك في صحتها أحياناً ومفتقرة إلى التوثيق والتدقيق في أغلب الأحيان، إما لاقتباس النصوص كما هي ، قصاً ولصقاً وبصقاً ، وادعاء ملكيتها الفكرية ، بلا وازع أو رادع ، أو لتوثيق ترجمات من مواقع ومصادر أٌخرى، فيما يمكن تسميته بأدب الاستباحة. وهي ظاهرة قديمة جديدة مستفحلة في الترجمة والنقل والعمل اللغوي والفكري . ومن يستبحْ كنزاً من المجدِ يَعظُمِ. ولكن ليس هناك مجدٌ أو شرفٌ في استباحة النتاج الفكري للناس ، وانتهاك نتاجهم الإبداعي ، مهما يكن أمره وشأنه ومصدره ، سواء أكان ذلك من الإنترنت أو من كتاب مطبوع بلغة أخرى، أو رسالة أو بحث أو أطروحة لطالب أو متخصص في جامعة من الجامعات.

          وكما أسلفنا فلا شك أن الإنترنت قد قلصت رقعة التواصل بين البشر، وكسرت كذلك احتكار دور النشر أمام المؤلفين والباحثين. فقد كان النشر الورقي التقليدي وما يزال حكراً على مجموعة لها اتصالاتها وعلاقاتها ومحسوبياتها لدى تلك الدور ، وتحت رحمة رؤساء تحرير عضارطة، يخافون كل جيد ، ويخشون كل جديد ، وعبثية المراجعين الأقران. ولكنها في الوقت ذاته فتحت الباب على مصراعيه بل خلعته من مفاصله وأرخت العِنان لكل من هبَّ ودبَّ وشبَّ عن الطوق لينشر ما شاء نشره على صفحات الإنترنت، في منتديات ومقاهٍ وبوابات وجمعيات وإسطبلات إبداعية وفكرية. و"هذه الصفحة مازالت تحت الإنشاء. تفضل بزيارتنا قريباً"[3]. ولم لا ونحن في عصر العولمة والحرية والديمقراطية المعلبة، بل زمن الضعة والمسكنة والواقع الافتراضي؟

          من الواضح أن جمهرة كبيرة من المترجمين والمؤلفين والباحثين والإعلاميين العرب ، الذين لا تعجزهم لغات العالم أجمع ، فيقفون صاغرين عاجزين أمام مفعولٍ منصوبٍ وفاعلٍ مرفوعٍ وممنوعٍ من الصرف يُصرف في سوق الاستلاب اللغوي والنخاسة الفكرية، يعتمدون اعتماداً صارخاً على شبكة الإنترنت لتقصي المعلومات ونقلها إلى اللغة العربية، إما من مصادر أجنبية يقومون هم أنفسهم بترجمتها وتعريبها ، بأساليب وطرائق غريبة عجيبة ، أو من مصادر مترجمة جاهزة، لا تخلو هي الأخرى من العيب والخلل. فيتكرر العيب ويصبح الشائنُ والخطأُ هو الصواب ، وذلك لكثرة ترداده وتَكراره واجتراره. ويمتزج الجهل بالغرور والغطرسة والعجرفة والصلف، وحب الذات والنرجسية والأنا الكبرى. فلو كان الواحد منهم شكولاتة ، كما يقول الاسكتلنديون ، لأكل نفسه، من حبه لذاته.

          لقد كان للتوثيق في ذروة حركة النقل والتعريب في عصور القوة الأدبية والفكرية عند العرب مركز محوري في عملية التأكد من المعلومات المتناقلة في اللغة الواحدة والمعارف المنقولة من اللغات الأخرى إلى العربية. فكان العرب أول من أبدع فن الإسناد والإسناد المتسلسل أو المعنعن، واعتمدوه في تدوين السنة الشريفة . والعنعنة اصطلاحاً هي إسناد الكلام إلى صاحبه بأن يُذكر لفظ "عن"، ولو مرة واحدة في السند. أما المترجمون فقد اعتمدوا منهجية ثابتة في تخريج الكتب المترجمة إلى العربية. "وانتقل العلم من الرواية إلى الدراية ، ومن الترجمة إلى التأليف ، ومن النقل إلى الاجتهاد والبحث والاستقصاء، وازدهر الإنتاج العقلي في أرجاء العالم الإسلامي ... فالعرب في الواقع هم الذين ابتدعوا طريقة البحث العلمي الحق القائم على التجربة ، فعندهم فقط بدأ البحث الدائب الذي يمكن الاعتماد عليه ، يتدرج من الجزئيات إلى الكليات ، وأصبح منهج الاستنتاج هو الطريقة العلمية السليمة للباحثين". [4]

          وفي هذا الصدد ، يقول لاندو: "ولعل مما يسر أمر الترجمة ، مرونة اللغة العربية ، وثراء لفظها ومعانيها وكثرة مترادفاتها وقدرتها على التعبير، ولما كان الأدب العربي غنياً بتعابيره، فقد أمكن له أن يصف أدق الحالات".[5] ولكن هذه المزية تغيب عن بال المستلبين من العرب اليوم ، فيبررون لمن يعانون نقصاً في المفردات وعجزاً في التعبير ووهناً في المنطق اللغوي وضعفاً في المعرفة ، بأن ذلك أمر طبيعي ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. بل يتهجمون على اللغة ويتهمونها بالترهل والتخلف. ويطالبون بتبسيط اللغة وحصرها في مفردات معدودة. ويغيب عن بالهم أن وضوح الفكر يقتضي وضوح الكلام ووضوح الكلام شرط من شروط وضوح الفكر وسلامة المنطق إنْ قلّت أو كثرت مفردات المرء وألفاظه. ويكثر الخلل والعيب والاعتلال فنسمع مثلاً عن عُنـَــاز[6] الطيور: "وفاة ثالثِ حالة مرض أنفلونزا الطيور في تايلاند." فبالله عليكم كيف تموت الحالة إن لم يكن موتها موتاً مجازياً؟ تلك هي حال أولئك الناس الذين ضربت عليهم المسكنة في عصر الانحطاط الثاني.


          --------------------------------------------------------------------------------
          [*] أستاذ في الترجمة في جامعات ملبورن واستشاري في التواصل التقني في أستراليا.


          --------------------------------------------------------------------------------

          [1] الساتل: هو التابع ، وستل الدمع تتابع دمعة إثر أخرى، وهو هنا القمر الاصطناعي.

          [2] التوصيف : نعتُ الشيء بما فيها أو بما ليس فيه ؛ إضفاءُ صفة معينة على الشيء ، نحو: رَفَضَ وَزِيرُ الإعْلامِ تَوْصِيْفَ الاجتماعِ بأنه فاشلٌ. مترجمة عن الإنجليزية (characterize)، على نسق توظيف. من الفعل: وَصَّفَ يَوصِّفُ توصيفًا ، وهو شاذ وزائد ومتكلف ولم تثبته المعاجم. ووَصَّفَ على زنة المبالغة والتضعيف فَعَّلَ كوظّفَ . ويرى مجمع اللغة العربية أن التضعيف في وَصّفَ مقصود به التفصيل الدقيق (الكثير)، ولا يرى مانعاً من استعمال التوصيف بهذا المعنى. ولكن الاستعمال الجاري لـ "توصيف" لا يفيد التفصيل الدقيق، بل مجرد الوصف. فعلام التكلف؟

          [3] هذه ترجمة للجملة الإنجليزية (This page is under construction…) . ونرى فيها تأثير الحرفية في ترجمة حرف الجر الإنجليزي (under). وهنا يكمن الخلل في العربية. فالتعبير السليم في العربية هو (قيد الإنشاء) وليس (تحت الإنشاء) ، فإذا أنت أنشأت الشيء أوجدته ورفعته ، فكيف يكون الشيء المرفوع تحت الإنشاء؟

          [4] المصدر نفسه. ص 314.

          [5] المصدر نفسه.

          [6] من الأمور المضحكة المبكية أن العرب اليوم ، مترجمين وإعلاميين ومؤلفين وباحثين وغيرهم ، يفتقرون إلى المعرفة المصطلحية فيؤثرون اقتراض المصطلحات الأجنبية جملة وتفصيلاً . فمنهم من يمهر في لفظها كما هي ، ومنهم من يخرجها عن لفظها الأصلي بصورة هزيلة كما هي الحال بالنسبة إلى أنفلونزا . فنجد معظم العرب الذين يستخدمون هذا اللفظ ينطقونه أنفي الونزا ، وذلك بسبب اضطرارهم بحكم طبيعة اللغة العربية التي لا مفر منها ومن نظامها الصوتي ، مهما تكن شدة الاقتراض والاستلاب ، إلى منع التقاء الساكنين ، أو ما يعرف في اللسانيات بـ epenthesis. وهو إدخال حرف علة بين ساكنين. أفليس من الأجدر إذاً استعمال لفظ عُنَـاز المشتق من عنزة ، على زنة فُعال كزُكام وجُذام وغيرها ؟ ذلك أن أصل (influenza) عربي ، وهو كما أخبرنا الدكتور صبري القباني منذ عقود خلت ، أنف العنزة ، وذلك لسيلان أنف المصاب كسيلان أنف العنزة. وعندما سمعها الأعاجم شوهوا لفظها لعدم قدرتهم على النطق العربي السليم ، فصارت (أنفو لونزا)، كما ينطق الأجانب اليوم اسم (علي) كـ (ألي). ولكننا نفتقر إلى الجرأة اللغوية والثقة والالتزام بلغتنا ونرضى بالضعة والمسكنة . فتباً لنا.
          د/ محمد عمر أمطوش

          تعليق

          • amattouch
            عضو منتسب
            • May 2006
            • 971

            #6
            الدكتور علي درويش

            الترجمة: بين الاستعلاء الثقافي والاستلاب الحضاري ... علي درويش / أستراليا

            أفق : الخميس 01 فبراير 2001


            تتقارب الحضارات وتتباعد فيما بينها وتتشابه وتختلف لغاتها في طرائق التعبير وأساليب البيان والإفصاح عن الأفكار والمشاعر والمواقف وغيرها. ولاشك أن الترجمة في جوهرها عملية مقاربة ومقابلة بين طرائق وأساليب لغوية مختلفة قد تتشابه حيناً وتختلف أحياناً أخرى .
            وهي كذلك عملية استنساب يخضع للأغراض والغايات والمحدِّدات والمقيدات التي تفرضها عملية المقاربة والتقريب وطبيعة اللغات التي تتفاعل فيما بينها خلال عملية الترجمة لتتولد نصاً جديداً وتتبلور تعبيراً مفيداً في لغة امتطت لغة أخرى واتخذتها وسيلة للابتكار والإبداع وأداةً للاجتهاد.

            ومن هنا فإن أنماط الترجمة وأنواعها تختلف باختلاف الغاية من الترجمة وتتراوح من التركيز على فحوى ومضمون النص إلى النواحي الجمالية والفنية فيه. ولكن الغاية الأساسية من الترجمة بلا شك هي إيجاد مقابل دلالي طبيعي في اللغة المترجم إليها. وهذا ما يميز الترجمة عن سواها من النشاطات اللغوية الأخرى كالاقتباس والتلخيص وما سنعرض له لاحقاً في هذا البحث . ومن شروط العمل في الترجمة : معرفة المترجم بلغته الأم وعلمه بدقائقها وظلال معانيها وأساليبها البلاغية والإنشائية ومعرفته باللغة التي ينقل منها وإليها معرفة جيدة وعلمه بأساليبها الإنشائية والبلاغية ومعرفته بأوجه الشبه والاختلاف ومادة النص الذي يقوم بترجمته .

            أما ترجمة الشعر فتبقى من أصعب أمور الترجمة ، إذ أنها تبرز بشكل واضح حالة التجاذب والتنازع (state of tension ) بين اللغتين وبين الجمالية والدلالية في النص . وقد كان الأستاذ جورج جدعون المحاضر في الترجمة بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية يقول : " الترجمة من الشعر إلى الشعر مَركبٌ صعب " . أما الشاعر الروسي والمترجم الشهير ايفيجيني ايفتوشنكو ( Yevgeny Yevtushenko ) فقد قال ذات مرة في معرض حديثه عن الشعر والترجمة : " الترجمة من الشعر إلى الشعر كالمرأة : إذا كانت جميلة لم تكن مخلصة ، وإذا كانت مخلصة لم تكن جميلة " ( مع الاعتذار بالطبع إلى القارئات الكريمات ) . وعن الموضوع ذاته ، قال الشاعر الفرنسي بيار ليريس (Pierre Leyris) في مقابلة مع صحيفة الهيرالد تربيون انترناشيونال في 4 آذار / مارس 1981 : " ترجمة الشعر أمرٌ مستحيل ، والامتناع عن ترجمته أمر مستحيل " . ذلك أن تفاعل الحضارات والشعوب يحتم تناقل نتاجها الأدبي والفكري بينها .

            عندما سئل الشاعر الإنجليزي إدوارد فتزجيرالد ( 1856 ) عن منهجيته في ترجمة رباعيات عمر الخيام من الفارسية إلى الإنجليزية قال ما فحواه أنه يأخذ نتاج شعوب متخلفة ويحوله إلى روائع أدبية بلغته المتفوقة ، يعني اللغة الإنجليزية . أما الناقد الأميركي أدموند ويلسون فرأيه كالآتي : " لطالما قلتُ إن أفضل الترجمات - الرباعيات مثلاً - هي تلك التي تبتعد عن الأصل كثيراً ، ذلك إذا كان المترجم نفسه شاعراً جيداً " (The New Yorker ) . وهذا الأسلوب الذي يعرف بـtranscreation أو الترجمة الإبداعية ( أو الترإبداعية إذا صح التعبير) ( 1 ) انتعش من جديد في مرحلة ما بعد الاستعمارية
            ( post-colonialism ) وصار بدعةً في زمن العولمة الذي فرضت فيه اللغة الإنجليزية نفسها أداةً للتواصل والتعبير على صعيد عالمي . فنجد جمهرة من الأدباء والشعراء يعتمدون هذا النهج القديم الجديد في نقل نتاج شعوب وحضارات أخرى إلى اللغة الإنجليزية بالدرجة الأولى وإلى اللغات الأخرى بدرجة أقل . فقد اعتمده الشاعر الأميركي إزرى باوند (Ezra Pound ) كشكل من أشكال النقد الأدبي في ترجمته للشعر الصيني إلى اللغة الإنجليزية ، ومن قبله فتزجيرالد كما ذكرنا في ترجمة رباعيات عمر الخيام . واعتمده في العربية في عصر النهضة مصطفى لطفي المنفلوطي في نقل ماجدولين والشاعر والفضيلة وغيرها من رواياته وقصصه القصيرة . وقد أخذ النقاد على المنفلوطي أنه كان يجهل اللغة التي ينقل منها ، فكانت ترجمته سماعية (hearsay translation ) ، مما دفع بالأديب اللبناني عمر فاخوري إلى أن يقول في معرباته : " إن للمنفلوطي رأياً عجيباً في التعريب وجرأة على التغيير والتحوير والقلب عالياً على سافل ، جرأة لا يسمح المؤلف نفسه لنفسه بأكثر منها ..." ( 2 ) ولاشك أن نتاج الشعوب والحضارات قد انتقل من حضارة إلى أخرى من طريق الترجمة بشكل رئيسي ومن طريق الاقتباس والتناقل والتداول ، فألبست الأمم والشعوب النتاج المقترض حلةً محليةً وطبعته بطابعها الخاص . غير أن هذا النتاج لم يكتسب ملامحه المحلية إلا بعد مروره في عدة مراحل تطبيعية من الترجمة إلى الاقتباس فالتأصل . والمنهج الترابداعي يختصر هذه العملية ضارباً عرض الحائط بشروط كثيرة تقوم عليها الترجمة السليمة ، ويخرج بها خروجاً سافراً عن حدود النص الأصلي ومعالمه .

            آن فيربيرن ، الشاعرة الأسترالية المهتمة بالشؤون الأدبية والشعرية في العالم العربي ، لاسيما في منطقة الخليج ، تنتهج المنهج الترابداعي ذاته الذي انتهجه فتزجيرالد وكرّسه ويلسون وغيره من الشعراء والنقاد المحدثين . وهو في جوهره منهج إستعلائي إستلابي ينهب الأصل ويسلخه عن بيئته يحوره في لغة أخرى . ويتلخص منهجها في الاعتماد على ترجمات وتفسيرات لقصيدة ما من جانب مترجمين عرب أو أفراد على جانب من المعرفة اللغوية ثم تقوم بصياغة قصيدة مشابهة تخضع لمقاييس اللغة الإنجليزية البلاغية والجمالية والفنية . ولما كانت ترجمة الشعر بطبيعتها نشاطاً احتواذياً ( أي أن المترجم لا يستطيع الانفصال عنه ) ، فإنها تتطلب تجربةً جمالية للقصيدة الأصلية قبل أي شيء آخر . فلنتأمل مثلاً المقطع التالي من قصيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون ، سجين شيلون (The Prisoner of Chillon ) .

            My hair is grey , but not with years ,

            Nor grew it white

            In a single night ,

            As men’s have grown from sudden fear :

            My limbs are bow’d , though not with toil ,

            But rusted with vile repose ,

            For they have been a dungeon’s spoil ,

            And mine has the fate of those

            To whom the goodly earth and air

            Are bann’d, and barr’d — forbidden fate ...

            فرغم سهولة الألفاظ وسلاسة البناء وخلوه من التعقيد اللفظي تمتنع القصيدة عن القارئ حتى يتفاعل معها ويمر في تجربة الشاعر من خلال اللفظ والتعبير والتصوير الفني والإبداع ، فيشعر إلى حد ما شعور الشاعر ويتحسس أحاسيسه . ولاشك أن المترجم لابد له أيضاً أن يقرأ تلك القصيدة ويتحسس معانيها ويدرك مقاصدها كقارئ أولاً يتفاعل ويتجاوب مع كل حرف وكل كلمة وبيت وقافية قبل أن يتمكن من ترجمتها . فكلما دخلت نصاً جديداً وتوغلت فيه وتعرفت على نواحيه كلما تفهمته وتعاطفت معه وصار أقرب إلى طبعك ووجدانك ، فاتضحت لك مراميه ووضحت غاياته وسهلت عباراته . ولا يتأتى لك ذلك إلا إذا كانت هناك ذاتية مشتركة أو واقع حال مشترك (intersubjectivity ) بين الكاتب والقارئ وبالطبع بين الكاتب والمترجم . تأمل تلك المقاطع من قصيدة للشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد :

            " أنا خائفٌ يا قمر ،

            منك من ضوئك المنكسر .

            أخوي الكبير مضى ولم يعد منذ الصباح ،

            وأمي موجعة في الباب تنتظر ... "

            نكتفي هنا بالتركيز على كلمة ( أخوي ) ، لندرك أبعادها الوطنية والاجتماعية والنفسية التي تحتجب عن قارئ لا يشترك في ذاتية الشاعر أو واقع حاله . فالشاعر لم يستخدم كلمة ( أخي ) لضرورات شعرية تتعلق بالوزن والتفعيلة فحسب ، وإنما اختار كلمة ( أخوي ) لما تحمله هذه الكلمة من مشاعر فلسطينية عربية . وآن فيربيرن بمنهجها الترابداعي يعاني من غياب الذاتية المشتركة وتلك التجربة . فهو يفتقر إلى التفاعل الأصلي بين القصيدة والمترجم كقارئ للقصيدة يجسد التجربة الجمالية والعاطفية والفنية للقصيدة التي يعبر عنها الشاعر قبل أن ينوي القيام بالترجمة . فلنتناول هنا ترجمة آن فيربيرن لمقطع من قصيدة " أمهات بلا أمومة " للأديبة المهجرية الأسترالية نجاة مرسي . تقول نجاة :

            " أنتِ شجرة بلا ثمر ..

            وأمسيةٌ بلا قمر ..

            نحن نولد الأجنّة ..

            ونعمر الكون .. حياتنا لأولادنا ..

            وأولادنا لبلادنا..

            ***

            أنا الشجرة الوارفة ..

            رسالتي ..

            أن أزرع الظل والجمال ..

            حياتي .. كلها عطاء ..

            عرفت طعم الحرمان .

            أنتم أتخمتم الكون بالسكان ..

            سببتم المجاعات ..

            وأزمات المسكان ..

            والمقابر... "

            و قوة هذه القصيدة لا تكمن في بساطة التعبير والأسلوب النثري وانتفاء الوزن والتفعيلة ، بل في الحوار بين مجموعة من النساء والشاعرة ، وفي تبادل الأدوار دون أن تؤذن الشاعرة بذلك للقارئ ( قلن وقالت ) فنسمع صوت النساء ثم صوت الشاعرة في جدل وملامة وعتاب ( لاحظ هنا أن الشاعرة خاطبتهن لأمر غريب عجيب بصيغة المذكر ، " أنتم أتخمتم بدلاً من أنتن أتخمتنّ " ، فجمعت بينهن وبين أزواجهن على ما أعتقد ) . ولكن آن فيربيرن " ترجمت " أو قل نقلت مضامين القصيدة كالآتي :

            They said;

            You are a fruitless tree,

            A moonless night.

            We give birth to offsprings,

            populate the world.

            Our life is our children,

            and our children are for our countries.

            She answered;

            My mission is to spread shade and beauty;

            My life is giving.

            I have tasted deprivation.

            You overpopulate the world,

            You caused famines,

            or accommodation crisis,

            or caused wars.

            هنا نرى أن المترجمة ارتأت أن تستعمل ( they said ) و ( she answered ) ، وبذلك أخفقت في ناحيتين هامتين : الأولى ، أنها حولت الصيغة من الحاضر إلى الماضي ، فجعلت من الحوار حدثاً قديماً ، والثانية ، أنها أضعفت من الأسلوب البلاغي في النص الأصلي بتحديد صيغة الغائب . فالشاعرة نجاة لم تقصد ( قلن هن و أجابت هي ) كما فعلت آن ، بل تركت ذلك خياراً مفتوحاً أمام القارئ أو القارئة التي قد تجد نفسها في مكان الشاعرة ، ( قلتنّ وقلتُ ) متجاوزة بذلك حدود المكان والزمان وصيغة التخاطب . وإدخال مؤشرات تبادل الأدوار ( they said and she answered ) أفقد القصيدة فورية التواصل والتخاطب بين الطرفين وقلل من تلك التجربة الاحتواذية بين الشاعرة والقارئ .

            ولست أدري إذا كان اللفظ ( offsprings ) خطأ مطبعياً أو من خيار المترجمة ، إذا أن اللفظ لا يكون عادة إلا (offspring ) ، أي بصيغة المفرد غير المعدود . وكان حرياً بالمترجمة كذلك أن تستعمل كلمة ( calling ) بدلاً من (mission ) لتؤدي معنى ( رسالة ) بمجمل أبعادها النفسية والحضارية والبلاغية. فلفظ (رسالة) في القصيدة هو ذاك الدافع الباطني والشغل الشاغل والواجب الذي يحث الشاعرة على القيام بعملها الفاضل بالقاء ظلالها الوارفة. وهذا ما توحيه وتحمله كلمة (calling) ، وهي أقرب مقابل طبيعي في هذا السياق. ولكن المترجمة التزمت بحرفية اللفظ العربي فجاءت ترجمتها ضعيفة ناقصة. ثم نجد تقلبها بين الحاضر في ( you overpopulate the world ) والماضي ( you caused famines ) ، وإصرارها على تكرار ( or ) بلا مسوغ أو مبرر في الإنجليزية . ثم تختفي ( المقابر ) اختفاء غامضاً في الترجمة . إضافة إلى أن إسقاط ( أنا الشجرة الوارفة ) من الترجمة مقابل ( أنت شجرة بلا ثمر ) أفقد الترجمة ذلك التوازن والتغاير والتباين بين الصورتين . وهذا التباين في رأيي هو أساس الجدال ومفتاح الحوار بين الطرفين في القصيدة . وإسقاطه من الترجمة يخل إخلالاً كبيراً بنقل الصورة بالصورة بأمانة وشاعرية .

            هذا قليل من العيوب في المنهج الترابداعي . وليس من الواضح ما المعايير والمقاييس التي اعتمدتها آن فيربيرن في عملية اتخاذ قراراتها وخياراتها في الحذف والإسقاط والضم والإبقاء على ما أبقت عليه من الأصل في ترجمتها . والسؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هنا : هل نجحت المترجمة في أداء المعنى الشمولي أو الكلي من ناحية المغزى أو القصد البياني (informative intention ) والمغزى أو القصد التواصلي (communicative intention ) معاً وكذلك من ناحية وفور واكتمال المعلومات (integrity of information ) في القصيدة ؟ والجواب لا بد أن يكون حتماً بالنفي . فكيف تستطيع آن فيربيرن ( بمعرفتها المحدودة للغة العربية ، باعترافها ) أن تنقل تلك التجربة الفريدة عبر قراءة مجزوءة وناقصة للقصيدة بمجمل أبعادها النفسية والاجتماعية والحضارية بمجرد الاستفسار عنها من أفراد لا علاقة لهم بالترجمة لا من قريب أو بعيد بالدرجة الأولى وأفراد ينقلون تجربتهم الشخصية من قراءات لعلها تكون سطحية بالدرجة الثانية ، فتمسخ التجربة الشعرية مسخاً لا تسترد شكلها إلا من خلال التدخل الاستعلائي الذي ينفخ في المسخ روحاً غريبة عن الجسد لا تستقر داخله إلا بالمحسنات البديعية والبيانية الخاصة باللغة الإنجليزية - فكأنها كالعضو المزروع يحتاج إلى العقاقير المضادة للرفض ( anti-rejection drugs ) - فينقل تجربة المترجِم المستشعِر ( أو الشاعر المسترجم ! ) بدلاً من تجربة الشاعر الأصلي ، في حالة تسمى في علم النفس بالانتقال أو (transference ) .

            1 - يعرف هذا النهج لدى بعض الأدباء لاسيما في أميركا اللاتينية بالترجمة الفنية (art translation) .
            2 - كلمات المنفلوطي ، في مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي دراسة وتقديم الدكتور جبرائيل سليمان جبور


            د/ محمد عمر أمطوش

            تعليق

            • Rima_Alkhani
              عضو منتسب
              • Aug 2007
              • 99

              #7
              وكما قال الدكتور عثمان أمين في كتابه "فلسفة اللغة العربية" : "مَنْ لم ينشأْ على أن يُحِبَّ لغةَ قومِهِ ، استخفَّ بتُراثِ أُمَّتِهِ ، واستهانَ بخصائصِ قوميَّتِهِ" . أَمَا رأيتَ كيف يغضبُ الفرنسي إذا قلتَ له إن لغته الإنجليزية أفضل من لغته الفرنسية وكيف ينشرح فؤاد العربي لك إذا قلت له فرنسيته أو إنجليزيته أفضل من عربيته – ذلك هو أفضل دليل على توجهاتنا المستقبلية. N'est pas ؟
              وعليه لمازال النحو والإملاء رعم محاولات تبسيطهما مادتان جافتان وغير محبوبتان، وهما مفصليتان في اللغة العربية، وإلا لماذا نرى كل هذا اللحن المخزي؟.
              ورغم مانشعر به من خيبات بشكل عام على الصعيد الواقعي، إلا أن الجهود ممن يستطيع يجب ألا تغيب عنه أبدا، من منبر المسؤولية والأهمية للأجيال القادمة.
              شكرا لكم.

              تعليق

              يعمل...